التشهير الإلكتروني واغتيال الاعتبار..محاكمة بلا قاض
ألمانيا| منير لكماني |لم يعد التشهير في زمن الرقمنة مجرّد همس أو مقالات عابرة، بل صار أداة للاغتيال المعنوي. بضغطة زر، تنتشر صورة أو تدوينة أو خبر زائف بين آلاف وربما ملايين في دقائق، بينما يحتاج القضاء إلى شهور طويلة لقول كلمته. هكذا تولد محاكم التفتيش الرقمية: منصّات تُصدر أحكامها بلا دفاع ولا بيّنة، وتُعدم السمعة قبل أي محاكمة.
●حروف مُحكَمة… وواقعٌ مُنفلت
المشرع المغربي لم يغفل خطورة التشهير. فقد نص الفصل 442 من القانون الجنائي على أن:
“يُعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وغرامة من مائتين إلى عشرين ألف درهم من ارتكب قذفا في حق شخص أو هيئة إذا لم يثبت صحة ما نسبه إليه.”
أي أن من يتهم الناس بلا دليل يُعاقب هو نفسه. لكن مع ثورة الرقمنة، استحدث القانون فصولاً جديدة لمواكبة الخطر.
447-1 و447-2 و447-3… سيوف القانون في مواجهة المنصات
• الفصل 447-1:
“يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم كل من قام عمدا… بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري، دون موافقة أصحابها.”
معناه: تسجيل أو نشر مكالمات أو محادثات خاصة دون إذن جريمة واضحة.
• الفصل 447-2:
“يعاقب بنفس العقوبة كل من قام عمدا… ببث أو توزيع صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص، دون موافقته.”
معناه: نشر صور أشخاص في أماكنهم الخاصة جريمة يعاقب عليها القانون.
• الفصل 447-3:
“يعاقب بنفس العقوبة كل من قام عمدا… ببث أو توزيع تركيبة مكوّنة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته، أو قام ببث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم.”
معناه : تركيب الصور والفيديوهات أو نشر الأكاذيب لتشويه السمعة جريمة يُعاقب عليها بالسجن والغرامة.
إضافة إلى ذلك، شدّد قانون الصحافة والنشر (88.13)، المادة 83 على:
“يعاقب بالغرامة من 10.000 إلى 120.000 درهم كل من تعمد نشر أو إذاعة خبر زائف… إذا كان من شأن ذلك المساس بالنظام العام أو إلحاق ضرر بحقوق الغير.”
●سرعة الرصاصة… وبطء العدالة
في الفضاء الرقمي، تنتشر التهم في دقائق، بينما يستغرق القضاء أشهراً لفتح الملفات وتدقيق الأدلة. تقرير رسمي كشف أن المحاكم المغربية عالجت 226 قضية مرتبطة بالأخبار الزائفة بين 2019 وغشت 2022، في حين تتلقى النيابة العامة مئات الآلاف من الشكايات سنوياً. هذه الفجوة الزمنية تجعل المتهم عرضة لـ “الإعدام الرمزي” على المنصات قبل أن يثبت القضاء براءته.
●الرأي العام… قاضٍ وجلاد
• موظف في مراكش اتُّهم عبر فيسبوك بالرشوة، ففقد سمعته رغم أن النيابة العامة حفظت الشكاية.
• فنان في الدار البيضاء بُرئ بعد سنتين، لكن الجمهور لم يغفر له.
• طالبة جامعية دمّر حياتها حساب وهمي نشر صوراً ملفقة، رغم أن الحقيقة ظهرت لاحقاً.
●براءةٌ في النص… إدانةٌ في الواقع
الدستور المغربي يضمن الحماية. فقد نص الفصل 23 على أن:
“قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان.”
معناه :“قرينة البراءة” تعني أن كل شخص يُعتبر بريئًا في نظر القانون والمجتمع، إلى أن يثبت القضاء، وبحكم نهائي، عكس ذلك. فلا تكفي الشبهة أو الإشاعة أو التدوينة لإدانة إنسان، بل وحده القضاء، عبر محاكمة عادلة، يملك سلطة إصدار الحكم.
مثال :
في إحدى المدن المغربية، جرى تداول تسجيل صوتي على واتساب يتهم تاجراً بالتحرش بموظفة. خلال أيام قليلة، صار الرجل حديث الأحياء والمقاهي، وخسر زبائنه، حتى أن أبناءه واجهوا سخرية في المدرسة. وبعد أسابيع من التحقيق، أثبت الخبرة التقنية أن التسجيل مفبرك بالكامل، وأن التاجر بريء. لكن رغم ذلك، بقيت سمعته ملطخة في محيطه، لأن “محكمة الرأي العام” سبقت القضاء وأدانته ظلماً
القرينة تُفرغ من مضمونها عندما تُدين المنصات الرقمية الناس قبل المحاكم.
●قوانين تُسطَّر… وقيم تنهار
القوانين موجودة، لكن تطبيقها بطيء. الأخطر أن المجتمع صار يستهلك الفضائح كترفيه، في غياب ثقافة الستر والاحترام. إنها أزمة قيم لا تقل خطورة عن الفراغ القانوني.
●قوة الردع وسلطة القيم
الخروج من المأزق يتطلب:
• صرامة قانونية: تفعيل مقتضيات الفصول 447-1 إلى 447-3 بسرعة، وإجبار المنصات على حذف المحتوى المسيء فوراً.
• مناعة أخلاقية: تربية على احترام الكرامة الإنسانية والامتناع عن نشر أو تداول التشهير.
●من ذا الذي يفتدي المواطن؟
بينما يمنح القضاء البراءة بحكم نهائي، يُدان المواطن اجتماعياً بلا استئناف عبر محاكم التفتيش الرقمية. فهل يكفي القانون لحماية الأفراد، أم نحن بحاجة إلى ثورة قيمية تُعيد الاعتبار للكرامة والبراءة؟






