الإشاعة بين السياسة والصحافة وعلوم النفس والاجتماع.. ما هي مسؤولية المتلقي في العالم الثالث؟
أصبحت متأكدا مع نسبة من الشك المنهجي، بعد عدة تجارب “مهنية” في تدقيق الأخبار، أن هناك نسبة كبيرة من “الجمهور” تبحث عن الإشاعة وليس عن الخبر الصحيح لأسباب نفسية، وذلك استنادا إلى قراءة وتحليل تعليقات وتفاعلات البعض منهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ماذا يعني ذلك؟
الخبر الصحيح بطبيعته يقطع الشك باليقين، وتعتمد عملية كتابته على مسار قد يكون طويلا ومرهقا مهنيا، لأن تدقيق الأخبار يتطلب التوفر على مصادر موثوقة، وأحيانا مصادر حكومية ومؤسساتية تتطلب مجهودا تواصليا داخليا لا يظهر للجمهور. وبعد الحصول على ما يؤكد خبرك الصحيح، تقوم بنشره فتفاجئ المتلقي الذي كان يستمتع بالإشاعة، لأنها مثلا تلبي رغباته النفسية في الانتقام المعنوي من مسؤول أو من دولة معادية. وفي هذا الإطار تسمح لنا الصحافة بالكشف عن تناقضات في تركيبة العقل التفاعلي المغربي: يطبق نفس التقنية لكن بطرق مختلفة، فمثلا مع خبر داخلي يسب المسؤول أو المؤسسة، وخارجيا يدافع عن الوطن، وفي الحالتين استنادا إلى إشاعة وليس إلى خبر صحيح.

الصدمة النفسية تخلق نوعا من العنف التواصلي، فبدل أن يهاجم المتلقي من ينشر الإشاعة، يهاجم من ينشر خبرا صحيحا. وهذا أمر طبيعي إذا ما فسرناه بنظريات علم النفس، لأننا هنا لسنا أمام متلق سليم نفسيا، وإنما أمام كتلة اضطرابات نفسية خلفتها سياسات عمومية أو قرارات مؤسساتية أو حكومية ترتب عنها خلق وضعيات اجتماعية صعبة، وعقليات لم تعد تصدق الأخبار الصحيحة ما دامت تعتقد أنها مجرد امتداد للكذب والخداع السياسيين، على سبيل المثال.

ومن نماذج عشق ترويج الإشاعة، هناك خبر يقول إن الجزائر مستعدة للوساطة بين المغرب والبوليساريو. ما مصدر الخبر؟ ملصق بدون هوية مؤسساتية أو إعلامية واضحة، فقط كلمة “عاجل” على الملصق. ما دامت “عاجل” كلمة من قاموس الصحافة، وخبر مكتوب وصورة وزير الخارجية الجزائري، ينتشر الخبر ويتفاعل الناس معه، وأقصد هنا، ينشر هذه الصورة بالضبط، التي لا تتوفر على مؤشرات دالة على صدقية الخبر.

قمت بتمرين الآن، بحث في منصات أخرى، ومصادر أخرى، وجدت أن الخبر صحيح، ولكن الجملة المكتوبة على الملصق الأول غير كاملة، فوساطة الجزائر وضع لها وزير الخارجية شروطا لم تختلف عما سبق مما نعرفه عن علاقة الجزائر بقضية الصحراء المغربية، وبالتالي هذا السياسي يتلاعب بالكلمات، وذاك المتلقي يتلاعب بالكلمات، في قضايا مصيرية، تخيل، اننا وفي قضايا مصيرية للمنطقة وللأوطان وللشعوب نتلاعب بالكلمات، ونلعب بالتواصل وبالخطاب وبالخبر الصحفي، لنرضي أهواء النفس والشيطان، لا لنتقدم في عملية التواصل لتدبير الأزمات، نتواصل ” باش نعمرو الفراغات” وهذه ملاحظة عامة على عمليات التواصل الرائجة والأكثر انتشارا. تواصل عقيم مبني على الجدال الفارغ دون هدف واضح ينسجم مع أهداف إدارة الأزمات، سواء في التواصل الخارجي او الداخلي، وكأنها مؤشرات عن بروز عقلية تواصلية عربية او افريقية او امازيغية او مغاربية او مغربية او جزائرية مشتركة، نشترك فيما لا ينفعنا و نفترق فيما قد ينفعنا، سواء في حقل السياسة او الإعلام او المجتمع، ومن الواضح أن الأمر لا يرتبط بالمغرب أو الجزائر، وإنما ربما جاز لنا الحديث هنا عن عقلية العالم الثالث في فهم ماهية التواصل وجدواه، أهمية السياسة ومعناها، مهنية الصحافة وأخلاقياتها، مسؤولية المتلقي وحدوده، الخ .
ما بين الصحافة والسياسة وعلم النفس امتدادات طبيعية نظرا لقيمة الفرد في كل تخصص. هذه العلوم الإنسانية، عندما تجتمع في تحليل الظواهر والسلوكات، تمكننا من فهم أعمق. وطبعا لعلم الاجتماع أهمية قصوى في إطار هذا الحديث، لكنني اخترت التركيز على الثلاثي الأول الذي يقودنا إلى الضلع الرابع، حيث إن “سيكولوجية الجماهير” مثلا تخرجنا من دراسة السلوك الفردي إلى السلوك الجماعي، وبدل أن نتحدث عن اضطراب نفسي فردي، نعوضه بمفهوم الاضطراب النفسي الجماعي. ويمكننا أن نجد له تعريفا في مختلف الدراسات السابقة التي اهتمت بالفرد والخبر والمجتمع والسياسة.

ومن النماذج الأخرى، خبر اشتغلنا عليه في “مغرب بريس تيفي” بعد ظهور وائل الدحدوح مع ناشطات من البوليساريو. الزميل وائل الدحدوح أكد لنا في مادة نشرناها أن حديثه كان يدور حول فلسطين، لكن الناس، ولغايات تفاعلية مرتبطة بنوعية المتلقي الذي تحدثنا عنه، ينشرون الإشاعة ولا يبحثون في المواقع الإخبارية عن الخبر الصحيح. هناك شخصيات ومؤسسات أخرى تواصلت مع وائل، وأكد نفس الكلام، ومع ذلك استمرت الحرب النفسية على مواقع التواصل الاجتماعي: هذا يسب وائل، وآخر يقحم قضية الأمة في نقاش أعوج، وآخر يقحم قضية الوطن في نقاش أكثر اعوجاجا. والأمر أبسط من ذلك: المتلقي عليه أن يبحث ويبذل مجهودا أكبر في التأكد من الخبر. لا يعقل أن نحمل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مسؤولية جرائم نرتكبها بشكل جماعي، وهي مؤشر على اضطرابات نفسية واجتماعية جماعية كما وضحنا سابقا.

من مصدر غير موثوق : سيتم إجراء إستفتاء في موريتانيا لضمها للمغرب ضمن مشروع الحكم الذاتي… هذا نموذج أخر نشرته صفحة ماروك انسوليت التي يمكن اعتبارها من أكبر منصات ترويج الاشاعات على الفايسبوك، لأننا في مغرب بريس تيفي، سبق ودققنا في خبر نشرته نفس الصفحة عن مؤسسات وطنية، وتأكدنا أنها تكذب، ولكن الغريب في الأمر، أن المتلقي يتفاعل مع تدوينة يفتتحها صاحبها بالجملة التالية” خبر غير موثوق” يعني أنت أيها المتلقي الجميل تتفاعل مع خبر غير موثوق وتلوم الصحافة لاحقا” كووون تحشم” وهنا نعيد طرح السؤال: ما هي مسؤولية المتلقي في العالم الثالث؟
وفي الأخير، يمكننا أن نستند إلى هذا التحليل لنجيب عن أحد الأسئلة الشائعة: من الذي أضعف الصحافة المهنية؟ بناء على ما سبق، فالجرم مشترك بين السياسة والمجتمع: المتلقي الذي لم يعد قادرا على التحكم في نفسياته المتقلبة، والذي يغرق منصات التواصل الاجتماعي في تفاعلات حول قضايا تافهة، بل يشجع على تقديم “الإشاعات والتشهير والتفاهة” كنماذج للنجاح؛ والسياسة التي لا تربط بين الخطاب والسلوك السياسيين في مسألة الأثر. أن تكون مؤثرا في السياسة في المغرب هو أن تصرخ بقوة في البرلمان، وأن تقول عكس ما كنت تصرخ بشأنه عندما تغير القبعة من الأغلبية إلى المعارضة. وأن تكون مؤثرا في الصحافة في المغرب هو أن تصرخ، وأن تنشر أخبار الصراخ. أما أن تناقش بهدوء، وبتخصص، وبرزانة، وبعلم، وبتدقيق، فستبقى بلا أثر في القاموس التفاعلي المغربي بين السياسة والصحافة والمجتمع، لأنك ببساطة تتحدث عن قاموس لا زال للأسف” ينتمي للعالم الثالث”..والله أعلم.
محمد الشنتوف| صحفي، باحث ومستشار في الإعلام والتواصل وتدبير الأزمات.






