الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

عبد الله بوانو في قلب سؤال الجدوى.. والعدالة والتنمية في امتحان التنشئة السياسية

بوانو وماء العينين وحيكر وغيرهم من السياسيين “البيجيديين” يجب عدم التعامل معهم في إطار الفصل عن مدرستهم، إنهم بشكل واضح تعبير عن هوية حزب في التأطير والتنشئة السياسيين.

محمد الشنتوف|مدير النشر، صحفي، باحث ومستشار في الإعلام والتواصل وتدبير الأزمات.

الرباط| رغم ما قد نختلف حوله “تواصليا” مع عبد الله بوانو في أمور ترتبط بشكل خاص “بتقنيات التواصل السياسي”: متى يجب أن يصرخ ومتى يفضل أن يتكلم بهدوء؟ ما الخطاب المناسب للسياق؟ وما السياق الذي يفرض الأسلوب؟ إلخ، إلا أنه في هذا الشق الأكاديمي المعقد والدقيق جدا يبقى عبد الله بوانو نموذج للسياسي الذي جاز لنا أن نؤكد أنه فعلا يعطي معنى للسياسة ومعنى للعمل السياسي. وفي علاقة التحليل به في السياق الخاص، يعطي جوابا واضحا عن الجدوى من وجود فاعل سياسي كبوانو في المشهد، لكن وبكل أسف ونظير عدة مؤشرات في السياق العام، يجعلنا نطرح السؤال الأكثر تشاؤما وواقعية: ما الجدوى من وجود بوانو وحزبه وسط كل هذا العبث والخداع السياسيين؟

لا يرتبط الأمر هنا فقط بالانسجام مع دوره في المعارضة، وإنما ببروز ملامح “شخصية سياسية” تشتغل بشكل واضح، وتعطينا فرصا للاشتغال عليها، وأقصد هنا الاشتغال عليها في إطار البحوث الأكاديمية، فبوانو، اتفقنا أو اختلفنا معه، لا يمكن أن ننكر أنه رجل سياسة، شأنه في ذلك شأن زعيمه عبد الإله بنكيران.

عبد الله بوانو، وإن كنا قد سجلنا عليه مساهمته “العفوية” في التدخل في شؤون الصحافة، والتعليق على طريقة اشتغال بعض الزملاء والزميلات، وهو أمر لا زلنا نرى أنه تجاوز حدود اللباقة فيه، وحتى التخصص، نظرا لإيماننا أن أحوال الصحافة يجب أن تناقش في إطارها: إما مع الوزير المعني بالقطاع، أو داخل المجلس الوطني للصحافة الذي نتمنى أن يخرج من منطق الصراع إلى منطق البناء، أو النقابة الوطنية للصحافة التي نجد فيها بعضا مما نطمح له كمهنيين، أو التنظيمات الأخرى (رغم أننا نرى أن وحدة الصف شرط أساسي لتقوية المهنة)، لكن لا ضير في التعددية إذا كانت ستشتغل وفق منطق المصلحة العامة. رغم هذا التطاول على الصحافة من طرفه، وخاصة أننا نتمنى أن يهتم أكثر بما يؤلمنا ويضرنا كصحفيين نعيش في ظل هذا الجو غير المهني معاناة وصعوبات لا تحصى ولا تعد، وبدل التركيز على ما هو غير مهني للنيل من الصحافة، يجب ألا ننسى أن هناك صحفيين ومؤسسات اختارت المهنية في زمن “البيع والشراء.. اختارت الصحافة في زمن السخافة.. واختارت صحافة لها رسالة وهدف في زمن سخافة الخرشف”. ورغم أن بوانو لا ينتبه لهذه الفئة، إلا أننا نشعر أنه حتى في هذا الاختلاف معه فإنه يقوم بدور سياسي خطابي على كافة الأصعدة، وينتج خطابا سياسيا عندما تدقق فيه، تحلله وتحول قراءة ما وراء سطوره، تحترم صاحبه حتى وإن كنت تكرهه، قد تخونه العبارات أحيانا، أو لغة الجسد، لكن كلامه بشكل عام “لا يأتي من فراغ”.

القدرة على الإقناع في الخطاب السياسي مهمة جدا، وبوانو يتقن فن الخطابة وفن الإقناع بل وفن المناظرة، ولأنه ابن مدرسة العدالة والتنمية فهذا الأمر لا يدعو للغرابة، بقدر ما يدعونا لتقدير هذا الحزب على مستوى قدرته الهائلة في التأطير والتنشئة السياسيين. بوانو وماء العينين وحيكر وغيرهم من السياسيين “البيجيديين” يجب عدم التعامل معهم في إطار الفصل عن مدرستهم، إنهم بشكل واضح تعبير عن هوية حزب في التأطير والتنشئة السياسيين، وخلافا لما يقال من خصومهم السياسيين الذين يعتقدون أننا “كاناكلو الكرطون في المغرب” ولا نفهم في السياسة بالمطلق، يحاولون تصوير كل خطابات العدالة والتنمية كأنها مجرد مزايدات سياسية أو “لغو سياسي” ابتلينا بمتابعته مع بعض الأحزاب نهاية كل أسبوع، قد يكون هذا صحيحا أحيانا، لأنه من “صميم اللعبة السياسية” ولكن ذلك غير صحيح بالمطلق بناء على مؤشرات واضحة.

الخطاب السياسي لا يرتبط بالرغبة في الكلام من أجل الكلام، ولا بالصراخ من أجل الصراخ، أو “الطنز التواصلي السياسي” الذي يصل لدرجة استفزاز المتلقي. ويمكن العودة لنماذج من خطابات سياسية مقارنة نشرت على مغرب بريس تيفي من المعارضة والأغلبية، بعيدا عما يحاول البعض فرضه “باسم الإشهار والنموذج الاقتصادي” (وتلك أزمة أخرى). وفي إطار احترام قاعدة “التوازن في المادة الإخبارية” سنجد من خلال دراسة تفاعلات المغاربة أن هناك خطابات تستفزهم، وأخرى تغضبهم، وأخرى تقنعهم، وأخرى يتفقون معها، وأخرى يختلفون معها، وأخرى يضحكون عليها، وأخرى يستهزؤون بها، مما يعني أن المتلقي المغربي يطلب منك أن تقنعه على الأقل بخطابك، حتى في ظل انعدام الثقة في الفعل السياسي لا زال الكثير من المغاربة يعلقون أمالهم بالسياسة، خاصة من فهم منهم أنه وفي “أكحل الأحوال” فالسياسة شر لا بد منه.

السياسة ليست القدرة على تجنيد الكتائب الإلكترونية والذباب الإلكتروني الذي يسبح بحمد الرئيس أو الزعيم أو صاحب الخطاب، او حتى الكتائب الواقعية منها التي تعتلي المنصات وتنتج خطاب البؤس لا الترافع السياسيين، خطاب “تصبين الكابة وليس مسحها فقط” بل هي القدرة على استحضار تقنيات التواصل في التواصل السياسي.

فن المناظرة مثلا كتقنية من تقنيات التواصل تتطلب تقديم خطاب دقيق ومختصر، يناقش بالحجج ويطرح الأسئلة الدقيقة بناء على معطيات أدق في وقت محدد، تمرين توقيت للبرلمان الذي فرضته صناديق الإقتناع أعطى فرصة للعدالة والتنمية لاختبار مدى تمكنهم من هذه التقنية، ورغم ضيق الوقت ينجح فرسان العدالة والتنمية في الإقتناع ويفوزون بمعظم مناظراتهم البرلمانية بلغة العلم لا بلغة السفسطة الأكاديمية او السياسية، التي تصور لنا هزائمهم التي تراها العين المحايدة انتصارات لا غبار عليها،. بوانو والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية بارعة في هذا التخصص، بعيدا عن منطق حصانة السياسي التي قد تخول له ممارسة السياسة بالخداع، دون تقديم ما يفيد حول تضارب مصالح أو أزمة الكرطون في الدقيق أو غيرها.

ثم إن الثقة في الخطاب السياسي والعمل السياسي لا تأتي بالضرورة من مجرد الاستماع لخطاب سياسي جريء، بل تستمد السياسة شرعيتها ومعناها وجدواها من خارج دوائر السياسة أحيانا. ولهذا ندعو للتفاعل الجاد مع معطيات السياسة من خارج حقلها ومؤسساتها، وذلك لا يتنقص من قيمتها أو من حصانتها. فلا يمكن أن نفهم أو نقبل أن يتفوه السياسي، الوزير أو البرلماني، بكلام تؤكد عدة معطيات أنه مجرد “كلام في السياسة” أو مجرد خطاب سياسي تسويقي لن يستفيد منه لا الوطن ولا المواطن. مثلما نستغرب من عدم تفعيل أدوار مؤسساتية في التعاطي مع ما تقدمه السياسة من معطيات دقيقة حول خروقات واضحة.

ما الجدوى؟

ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ دستوري منفصل عن السياسة وعن باقي الحقول، وعدم التفاعل الجاد من طرف المؤسسات سواء السياسية أو غيرها يطرح سؤال: ما الجدوى من السياسة؟ مثلما أن عدم التفاعل مع تحقيقات وأعمال الصحافة الجادة التي تتحدث عن فضائح وخروقات يطرح نفس السؤال: ما الجدوى من الصحافة؟ ومثلما أيضا أن عدم تفاعل السياسي في حد ذاته مع ما تنتجه الجامعة حول التأطير الأكاديمي للخطاب والفعل السياسيين يطرح السؤال: ما الجدوى من الجامعة؟.

وفي انتظار الجواب عن سؤال الجدوى، يبقى بوانو ورفاقه “على سنة الله ورسوله” من أبرز النماذج التي، ورغم كل ما نعيشه من أعطاب، تعطينا أملا في الجواب عن سؤال الجدوى. وجاز لحزب العدالة والتنمية أن يفتخر بنفسه كحزب لا يوجد له مثيل في طرق وأساليب التنشئة والتأطير السياسيين وخاصة في المغرب الحديث، رغم كل الأزمات التي مر بها ظل وفيا لهويته ومدرسته في التنشئة السياسية، ربما هناك أمور يجب أن يفكر في إصلاحها ودمقرطتها أكثر في بيته الداخلي، في تفاعلاته الداخلية والخارجية، في وزن بعض الخطابات التي ” لا جدوى منها في ميزان المنطق الوطني “،  لكنه يبقى حزبا صنع لنفسه “هوية حزبية” يمكن دراستها والبناء عليها في إطار الحديث عن المشهد السياسي والحزبي بالمغرب الحديث بشكل خاص، هذا دون أن نعود للتراكمات التي استفاد منها هذا الحزب وساهمت في نضجه السياسي على عدة مستويات.

والله أعل

سير على الله..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.