الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

تدبير الغضب: “الترمضينة” العنف الرمزي والوصم: حين يُدان الانفعال بدل فهمه

يتعامل المجتمع مع “الترمضينة” في الغالب من خلال خطاب أخلاقي إداني جاهز: الصائم الحقيقي لا يغضب، الترمضينة نقص في الإيمان. هذا الخطاب لا يسعى إلى فهم الظاهرة بقدر ما يهدف إلى ضبطها رمزيا، عبر تحويلها من مسألة اجتماعية–نفسية معقدة إلى فشل أخلاقي فردي. وبهذا، لا تحل المشكلة، بل يعاد إنتاجها في مستوى أعمق.

من منظور سوسيولوجي نقدي، يقوم هذا الخطاب بوظيفة مزدوجة: فهو، من جهة، يرفع عن البنية الاجتماعية مسؤوليتها في تهيئة شروط صيام إنسانية ومتوازنة؛ ومن جهة ثانية، يحمّل الفرد وحده عبء الاختلال، ويطالبه بكتمان التعب والانفعال باسم المثال الديني. هنا، لا يُدان السلوك فقط، بل تدان التجربة المعاشة ذاتها.

في هذا السياق، يمارس ما يمكن تسميته بـ “العنف الرمزي المضاعف”. العنف الأول هو عنف الحرمان الجسدي: الجوع، العطش، انسحاب الإدمان، واختلال النوم. أما العنف الثاني فهو عنف الوصم الاجتماعي، الذي يجرد الفرد من حقه في التعبير عن معاناته، ويحوّل الانفعال إلى علامة على ضعف الإيمان أو سوء الخلق.

تحت هذا الضغط الرمزي، لا يعود الغضب مجرد استجابة فسيولوجية أو نفسية، بل يتحول إلى رد فعل على الإدانة ذاتها. فالفرد لا يغضب فقط لأنه صائم، بل لأنه يطالب بأن يكون صائما مثاليا، صامتا، متحكما في جسده وانفعالاته، دون الاعتراف بحدوده الإنسانية. وهكذا، يصبح الانفعال شكلا من أشكال المقاومة غير الواعية ضد خطاب ينكر الألم بدل احتوائه.

الأخطر في هذا المنطق هو أنه يمنع بناء خطاب بديل يعترف بأن الصيام تجربة متفاوتة، وأن القدرة على الضبط ليست موزعة بالتساوي اجتماعيًا. فالوصم يغلق إمكانيات الدعم، ويُحوّل رمضان من فضاء للتزكية إلى فضاء مراقبة أخلاقية، حيث يُقاس الإيمان عبر السلوك الظاهر لا عبر التجربة الداخلية.

بهذا المعنى، تكشف “الترمضينة” عن مفارقة عميقة: فبدل أن يكون رمضان شهر التعاطف مع الضعف الإنساني، يتحول أحيانًا إلى شهر تكثيف العنف الرمزي ضد من يعجزون عن مطابقة النموذج المثالي للصائم. وهو ما يطرح، في العمق، سؤالا سوسيولوجيا حاسما: هل نحتاج إلى أخلاق للصيام، أم إلى سوسيولوجيا للصيام تعترف بالحدود، الفروق، والهشاشة؟

اللغة والانفعال: حين يعجز المعنى ويتكلم الجسد

تكشف الملاسنات والسباب المتكررة خلال رمضان عن انهيار مؤقت لوظيفة اللغة بوصفها أداة تهذيب اجتماعي وضبط رمزي. فاللغة، في السياق العادي، لا تستخدم فقط للتواصل، بل لتصفية التوتر، تحويل الانفعال إلى معنى، وإدماج التجربة الفردية داخل أفق قابل للتشارك الاجتماعي. غير أن الضغط الرمضاني المكثف يضعف هذه الوظيفة، فتتراجع اللغة بوصفها وسيطا، ويبرز الكلام العنيف كاستجابة أولية وغير مفلترة.

من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار اللغة العنيفة مجرد انحراف أخلاقي أو نقص في الأدب، بل هي فشل مؤقت في الترجمة الرمزية: فشل في تحويل الإحساس بالجوع، الإرهاق، والضغط الزمني إلى خطاب مفهوم ومقبول اجتماعيا. حين لا يجد الفرد كلمات “مشروعة” للتعبير عن الضيق، يتحول الكلام إلى أداة إيذاء، لا بهدف العدوان لذاته، بل بوصفه أقرب وسيلة لتفريغ التوتر.

هنا، يتكلم الجسد عبر اللغة، لا العكس. فالنبرة، الصراخ، السباب، وحتى الإيماءات الجسدية المصاحبة، تصبح امتدادا لانفعال لم يستوعب رمزيا. بهذا المعنى، تفهم “الترمضينة” كلحظة تفكك بين المعنى والانفعال، حيث يفشل النظام اللغوي في احتواء التجربة، فيُحال العبء إلى الجسد.

تبرز هذه الظاهرة، في العمق، هشاشة ما يمكن تسميته ب”التربية الانفعالية” في المجتمع. فالأفراد يعلَّمون منذ الصغر كبح الغضب، لا فهمه؛ ضبط السلوك، لا تحليل أسبابه؛ الصمت بدل التعبير. وحين يضاف إلى هذا الكبت ضغط الصيام، ينهار البناء الهش، وتخرج الانفعالات في شكل عنف لغوي فجّ.

كما أن الخطاب الديني–الأخلاقي، حين يركز على تجريم الغضب دون توفير لغة بديلة للتعبير عنه، يساهم في تعميق هذا العجز. فالانفعال يدان، لكنه لا يؤطَّر، واللغة الأخلاقية تحل محل اللغة التحليلية، ما يترك الفرد بلا أدوات رمزية فعّالة لتدبير تجربته.

بهذا المعنى، لا تكشف الملاسنات الرمضانية عن “فساد أخلاقي”، بقدر ما تكشف عن فقر لغوي–انفعالي في التعامل مع الضغط. إنها علامة على مجتمع لم يستثمر بما يكفي في تعليم أفراده كيف يُسمّون ما يشعرون به، كيف يحولون الانفعال إلى معنى، والمعنى إلى تواصل غير عنيف.

المفارقة الدينية: من تزكية النفس إلى إنهاكها

يقدّم رمضان في الخطاب الديني المعياري بوصفه زمنا لتزكية النفس، تهذيب الرغبات، وإعادة ترتيب العلاقة بين الجسد والروح. غير أن الممارسة الاجتماعية السائدة تكشف مفارقة لافتة: فبدل أن يتحول الصيام إلى تجربة ارتقاء داخلي، يتحول لدى فئات واسعة إلى زمن إنهاك نفسي وانفعالي. هذه المفارقة لا يمكن قراءتها كفشل للصيام في ذاته، بل كفشل للشروط الاجتماعية التي يُمارَس داخلها.

فالدين، حين يُفرغ من بعده التربوي التدريجي، ويُختزل في منطق الامتثال الفجائي، يتحول من مسار للتكوين إلى أداة اختبار قاس. الصيام، في هذه الحالة، لا يقدّم كعملية تعلّم متدرج على الصبر وضبط النفس، بل كالتزام شامل ومباشر يُفرض على أجساد غير مهيأة، ونفوس منهكة أصلا بضغط العيش اليومي. وهكذا، يطلب من الفرد أن ينتقل فجأة من نمط استهلاكي مكثف إلى حرمان صارم، دون وسائط تربوية أو اجتماعية تخفف الصدمة.

تظهر هذه المفارقة كيف يمكن للطقس الديني، حين يفصل عن سياقه الإنساني، أن ينتج أثرا معاكسا لمقاصده. فبدل تهذيب الغضب، يتراكم الانفعال؛ وبدل تزكية النفس، تستنزف طاقتها على مقاومة الجوع، الإكراه الزمني، والضغط الأخلاقي. هنا، لا يعود الصيام ممارسة لتحرير الذات، بل يتحول إلى عبء نفسي يدار بمنطق التحمل لا الفهم.

كما أن الخطاب الوعظي، حين يركز على النتائج الأخلاقية المتوقعة (الصبر، السكينة، الصفاء) دون الاعتراف بمسار الوصول إليها، يسهم في تعميق الإحباط. فالفرد الذي لا يحقق النموذج المثالي للصائم يشعر بفشل مزدوج: فشل في الضبط الجسدي، وفشل في الامتثال الديني. وبهذا، تتحول التجربة الرمضانية من فرصة للتقرب إلى الذات إلى مصدر شعور بالذنب والإنهاك.

من منظور سوسيولوجي، تكشف هذه المفارقة الحاجة إلى إعادة التفكير في الصيام بوصفه عملية اجتماعية–تربوية لا مجرد فريضة زمنية. فالتزكية لا تنتج بالضغط، ولا بالوصم، ولا بتوحيد المعايير، بل ببناء شروط واقعية تراعي تفاوت الأجساد، اختلاف المسارات النفسية، وتعدد أشكال العلاقة مع الدين.

بهذا المعنى، لا يطرح رمضان سؤال “لماذا يغضب الصائم؟” بقدر ما يطرح سؤالًا أعمق: كيف نحول الصيام من اختبار للقدرة على التحمل إلى تجربة إنسانية ممكنة، تُقارب مقاصده بدل أن تناقضها؟

لا تمثل “الترمضينة” خللا أخلاقيا عابرا ولا ضعفا فرديا في التحكم في الذات، بل تشكل مرآة سوسيولوجية كثيفة الدلالة تعكس علاقة مأزومة بالجسد، وبالزمن، وبآليات الضبط الاجتماعي في المجتمع المغربي المعاصر. إنها ظاهرة تكشف حدود قدرة البنية الاجتماعية على استيعاب طقس تعبدي كثيف المتطلبات داخل سياق حياتي مرهق، سريع الإيقاع، ومشبع بالضغوط المادية والرمزية.

يظهر أن الصيام، حين يمارس داخل منظومة زمنية لا تعلّق منطق الإنتاج، وداخل ثقافة استهلاكية تضعف مهارات الصبر، وضمن خطاب أخلاقي يجرّم الانفعال بدل فهمه، قد يتحول من مورد للسكينة إلى مولّد للتوتر والانفجار الانفعالي. هنا، لا تكمن المشكلة في الطقس ذاته، بل في شروط ممارسته الاجتماعية، وفي الفجوة بين المقاصد الدينية والتجربة المعاشة.

كما تكشف “الترمضينة” عن هشاشة التربية الانفعالية، وعن فقر الأدوات الرمزية التي تسمح بتحويل الضغط إلى معنى قابل للتواصل، لا إلى عنف لغوي أو جسدي. وهي، في الوقت نفسه، تفضح عنف المعايير الموحدة التي تفترض جسدا متشابها وقدرة متساوية على التحمل، متجاهلة الفروق الاجتماعية، النفسية، والإدمانية بين الأفراد.

من هذا المنظور، لا يمر تفكيك الظاهرة عبر مزيد من الوعظ أو تشديد الإدانة الأخلاقية، بل عبر إعادة التفكير في شروط العيش الرمضاني برمتها: تنظيم زمن العمل، مقاربة الإدمان كمسألة اجتماعية لا أخلاقية، إدماج التربية الانفعالية في التنشئة، وإعادة وصل الخطاب الديني ببعده التربوي التدريجي والإنساني.

إن فهم “الترمضينة” هو، في العمق، فهم للمجتمع الذي يصوم، لا للصائم وحده؛ فهم لبنية تضغط الجسد ثم تطالبه بالسكينة، تنهك النفس ثم تدين انفعالها، وتقدّس الطقس دون أن توفر له شروط الإمكان. وبهذا المعنى، تتحول سوسيولوجيا “الترمضينة” إلى مدخل نقدي أوسع لفهم مفارقات التدين اليومي في مجتمع يعيش بين كثافة المقدس وضغط العيش

.د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.