الاستهلاك في رمضان و ضغط المقارنة الاجتماعية .. الدكتور هشام بوقشوش يكتب
تنتج وسائط التواصل بيئة مقارنة دائمة، حيث تعرض أنماط عيش مصقولة ومنتقاة بعناية، ما يؤدي إلى تضخم التوقعات المعيشية. الحياة اليومية تقاس بما يظهر على الشاشة، لا بما هو متاح فعليا داخل البنية الطبقية للفرد. هذا يسرّع الإحساس بالنقص، ويخلق فجوة بين الواقع المعيش والصورة المعروضة.
ضمن هذا السياق، يصبح الاقتراض أو الاستهلاك فوق القدرة الاقتصادية أمرا مطبّعا، باعتباره وسيلة للحاق بنموذج معيشي يبدو عاديا وشائعا. نحن أمام شكل جديد من العنف الرمزي الاستهلاكي: نموذج معيشي يقدّم بوصفه طبيعيا ومتداولا، بينما هو في الحقيقة نتاج موقع طبقي محدد. القوة هنا ليست قسرية، بل معيارية؛ تمارس عبر الإقناع الضمني، والتكرار، وتوليد الرغبة في المطابقة.
المؤثر كوسيط شرعي
برز المؤثرون بوصفهم فاعلين مركزيين في إعادة تشكيل الحقل الاستهلاكي. فهم لا يروّجون لسلع فحسب، بل يشاركون في إنتاج الذوق، وفي إضفاء الشرعية على اختيارات معينة. يتحولون إلى وسطاء ثقة بديلين عن الإشهار المؤسسي التقليدي، لأنهم يقدمون أنفسهم في صورة القريب، والعفوي، وصاحب التجربة الشخصية.
بهذا المعنى، نشهد انتقالا من سلطة إشهارية مؤسسية قائمة على الرسالة الرسمية، إلى سلطة كاريزمية رقمية تقوم على الحضور الشخصي، والسرد الذاتي، والتفاعل المباشر. الثقة لم تعد تبنى عبر العلامة التجارية وحدها، بل عبر الشخص الذي يزكّيها أمام جمهوره.
إن مجموع هذه التحولات يدل على أن الاستهلاك في زمن المنصات لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح منظومة رمزية متكاملة تنتج المعايير، وتعيد توزيع الاعتراف، وتعمّق التمايزات الطبقية داخل إطار يبدو، ظاهريا، مفتوحا ومتاحا للجميع.
من قيمة القناعة إلى قيمة الظهور
تشهد الثقافة المغربية تحوّلا واضحا في منظومتها القيمية المتعلقة بالاستهلاك. ففي التقليد المغربي، كانت القناعة قيمة تؤطر السلوك اليومي، والادخار حكمة توجه القرارات المالية، والبساطة قيمة أخلاقية تعكس الاعتدال واحترام التوازن الاجتماعي. كان النجاح الاجتماعي يقاس بالاستقرار، وبالقدرة على الوفاء بالالتزامات الأسرية، وبمستوى معيشي متوازن دون إسراف أو تباهي.
اليوم، تبدو هذه القيم في حالة تغيير جذرية. الوفرة تطبع كأمر طبيعي ومطلوب، والصورة تصبح سلعة بحد ذاتها، حيث يستعرض كل جانب من الحياة اليومية كمعيار للجاذبية والاعتراف. كما أصبح المظهر مؤشرا للنجاح الاجتماعي، بحيث ترتبط المكانة الرمزية بما يعرض ويرى، لا بما ينجز أو يستثمر بشكل عملي.
بهذا المعنى، نحن أمام إعادة تعريف للنجاح الاجتماعي، تتحول فيها الممارسة الاستهلاكية إلى أداة لإنتاج الاعتراف والتميز، بينما تصبح القيم التقليدية مثل القناعة والاعتدال أقل حضورا في الخطاب العملي واليومي. الثقافة الاستهلاكية الجديدة تكرّس منطق الظهور، وتجعل من الصورة والتمثيل رمزين محوريين للهوية والمكانة داخل المجتمع.
الفردانية الصاعدة والتسليع الشامل
مع التحولات الحديثة في الثقافة الاستهلاكية المغربية، برزت الفردانية الصاعدة كعنصر محوري. أصبح الاستهلاك تعبيرا عن الاستقلال الفردي، وأداة لبناء هوية شخصية متميزة عن الهوية الجماعية التقليدية، ووسيلة للانفصال الرمزي عن الأسرة وأطرها الاجتماعية. هذا التحول يعكس مسارا أوسع من تفكك المرجعيات الجماعية، حيث لم يعد الانتماء إلى الأسرة أو الجماعة هو المحدد الوحيد للخيارات والقيم، بل صارت الاختيارات الفردية – بما في ذلك الاستهلاكية – مقياسا للحرية والتفرد.
في الوقت نفسه، تشهد السلع تسليعا شاملا يتجاوز البعد المادي ليطال الجسد والخبرة وحتى بعض جوانب الروحانية. الجسد يصبح سلعة رمزية تعرض للآخرين، والخبرات تتحول إلى منتجات يمكن تسويقها ومشاركتها، وأحيانا تدخل الممارسات الروحية أو الثقافية ضمن منطق السوق. بهذا المعنى، الهوية نفسها تتحول إلى مشروع استهلاكي، كما يوضحه زيجمونت باومان في مفهومه عن الحداثة السائلة: حيث تصبح الثوابت الثقافية والاجتماعية عرضة لإعادة الإنتاج المستمرة ضمن شبكة متغيرة من الرغبات والمعايير الرمزية.
هكذا، الاستهلاك لم يعد فعل اقتناء محض، بل ممارسة رمزية شاملة تعيد إنتاج الذات والمكانة، وتعيد تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية بطريقة متحركة وديناميكية، تعكس صعود الفردانية وتعميم التسليع في حياة المغاربة اليومية.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع







