الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

موت على قيد الحياة وشر متأصل في الإنسان.. وخير استثنائي.. من الفرد إلى الدولة

الرباط: عشت هذه اللحظة التي تحدث عنها الأخ منير مرتين،”نجاح بطعم بارد وفرحة عابرة” وسأعيشها مرات ومرات؛ في الدراسة، وفي الزواج… إلخ. هذا قدر لا هروب منه، لأنه مرتبط بموضوع لا يمكن التحكم به. ولكن الأهم في منشوري هذا وفي منشور الأخ منير هو ما سأكتبه الآن، لعلها تكون رسالة مهمة للمستقبل، وهي شكل من أشكال الرد على سؤال علمي لطالما طرحه رواد العلوم الاجتماعية: كيف نفصل بين الذات والموضوع لدراسة ظاهرة ما أو لفهمها؟ في الحقيقة يمكن الفصل بالمنهج العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية أو الحالات الدقيقة، مع التحفظ، لكن لا داعي للفصل بينهما عند محاولة الفهم والتحليل، شريطة أن يكون هذا الفهم مبنيا على أسس موضوعية ترى من مختلف الزوايا.

في كل مرة كان يتكرر الإحساس نفسه: نجاح بدون طعم رغم مظاهر الفرح العابرة. سواء في الماستر أو الدكتوراه، كانت مشاهد الأم الغائبة الحاضرة تعود إلى الأذهان بدون سابق إنذار، وتطرح الأسئلة نفسها “التي لا أريدها أن تطرح”… الإنسانة التي يفترض أن تكون معي، قررت ألا تكون، أو كتب لها القدر ألا تكون “لا يهم”. أعتقد أن وجودها تحت التراب كان سيكون أفضل بكثير من وجودها فوق التراب وهي ميتة منذ ولادتي. على الأقل كنت سأترحم عليها في كل لحظة فرح أو حزن، بدل لومها ولوم القدر.

ربما لن يتفق معي منير، لأن إحساسه مختلف بالنسبة لأمه رحمها الله. وهذه حكمة من حكم الحياة التي فهمتها من تجربتي: لا أحد يفهم ما تعيشه إلا أنت، ولهذا عليك أن تصبر وتستمر وتحاول التعايش قدر المستطاع؛ فآراء الناس تأتي من خلال فهمهم القاصر لموضوع ما وتمثلاتهم الظرفية عنه.

ماذا أريد أن أقول هنا؟ بالنسبة لي، الموضوع منته بغض النظر عمن كان السبب. لكن الحياة تمنحك فرصا لإصلاح الأخطاء، أما عندما تصر على الاستمرار في تعميق الجراح اعتقادا منك أنك المنتصر، وعندما لا تطبق ما قاله الله ورسوله وما تقوله كل قواعد الإنسانية، وتستمع لأناس غاياتهم مادية فانية، فيجب على الموضوع أن ينتهي؛ فلا شيء يعوض ما ضاع، وخاصة في موضوع الأب والأم.

ولهذا -وهذا هو الأهم- يا آباء وأمهات المستقبل: الزواج أولا ليس لعبة، وثانيا -وهو الأكثر أهمية- الإنجاب مسؤولية؛ إما أن تتحمل مسؤوليتك وتحسن للأبناء في تربيتهم ومعاملتهم ومحاولة ضمان مستقبلهم، أو أنك ستحاسب حسابا عسيرا أمام الله. لكن قبل الحساب الإلهي، هناك كوارث نفسية واجتماعية وإنسانية يتسبب فيها انعدام النضج في التعامل مع الأبناء في مختلف الحالات، سواء داخل أسر عنيفة أو مفككة، فما ذنبهم؟ أن تحمل مثلا أطفالك وتغامر بهم في عرض البحر نحو سبتة المحتلة، ذاك أمر تتحمله أنت وليس الدولة، الدولة تتحمل مسؤوليتها في عدم توفير فرص الشغل لك، وليس في عدم توفير حبوب منع الحمل.

وفي موضوع التفكك والطلاق:

الطلاق ليس عيبا وإنما هو قدر، العيب الحقيقي يتمثل في إخراج سمومنا البشرية بعد الطلاق. الله يوجهنا: “ولا تنسوا الفضل بينكم”، لكن الإنسان الجاهل -مهما بلغ مستواه الدراسي- يترك كلام الله ويستمع لكلام الشيطان؛ وأحيانا لكلام مجتمعات جاهلة، محيط جاهل يزكي الصراعات وينفث السموم، حروب لا تنتهي بين المطلقين والمطلقات، وهم في ذلك يتحملون مسؤوليتهم. إنما الطامة الكبرى تتلخص في إدخال الأطفال في مواضيع لا علاقة لهم بها.

طبعا لا يمكن أبدا لطفل عاش ما عاشه في هذا الإطار أن يخرج سالما، يستحيل ذلك؛ إذا هداه الله واستطاع أن يكمل دراسته وينجح “نجاحا ما”، وإذا استطاع أن ينجو من الانحراف، فمن المؤكد جدا أن أعطابا نفسية ستركبه، وسيكون عليه أن يبذل مجهودا كبيرا عندما يصل لمرحلة النضج للتعامل معها. وعلى زوجة أو زوج هذه الضحية أن يتعامل معه وفق هذه المعطيات، وعليه أن يكون واضحا مع الطرف القادم لحياته من أجل الزواج، أنه ليس إنسانا عاديا لأنه لم يكن طفلا عاديا. وطبعا قد يرفض لهذا السبب حتى في زواجه بسبب ماضيه الأسري، أو عليه أن يكذب ليتزوج، ومن يكذب ليتزوج، يطلق عندما تحين ساعة الصراحة والوضوح والشفافية تحت سقف واحد؛ يجب أن تكون صريحا وإذا رفضت فابتسم رغم وجع الفراق، أنت في الأصل معتاد على الوجع، فابتسم واسخر وافعل ما يروق لك عندما يأتيك وجع جديد، واشكر من رفضك بسبب أعطابك، فذاك حق؛ من حق الإنسان أن يرى ما يصلح له. المهم هنا أن يكون ذلك الشاب أو تلك الشابة في مستوى من النضج: نضج الاعتراف والمواجهة ومحاولة التعايش والتشافي من أوجاع من المؤكد جدا أنه لا يمكن التشافي منها، لكن يمكن التعايش معها ومنحها بعض الفرص لتعبر عن نفسها من حين لآخر.

بعد 33 سنة من عمري، وبعد دراستي لعلم النفس وعلم الاجتماع والتواصل بشكل خاص -بغض النظر عن الصحافة التي كانت شغفي- أستطيع أن أقول إنني أصبحت خبيرا في فهم أعطابنا الأسرية والاجتماعية والتواصلية. في علم النفس كان بحث الإجازة حول المشاكل الأسرية وتقدير الذات وعلاقتهما بانحراف المراهق ودور الأخصائي النفسي بالمجال التربوي. هداني الله لأدرس هذا التخصص لأفهم أعطابي من خلال فهم أعطاب الناس. وجدت بعد إجراء مقابلات مع مراهقين قادمين من مجالس تأديبية وأسر غير مؤدبة في كل من ثانوية علال الفاسي بطنجة وعبد الكريم الخطابي بالرباط، أننا نعيش في مجتمع انفصامي (سكيزوفريني) أحمق وأخرق، يستعمل الدين حسب مصالحه، يطالب المسؤولين بتحمل مسؤولياتهم ولا يتحمل مسؤولياته، يطلب من الناس الأمانة والصدق وهو أكبر فاسد، يدافع عن الدين والأخلاق بالسب والشتم، لا يؤمن بالاختلاف بشكل نهائي (وهذا تأكد لي من خلال الصحافة والسياسة وتجربة مغرب بريس تيفي بشكل خاص من خلال قراءة تفاعلات المغاربة مع أخبار الصحيفة على مواقع التواصل الاجتماعي).

ليس مجتمعا مركبا فقط كما قال بعض علماء الاجتماع (“بول باسكون ومحمد جسوس في النموذج المغربي”)، وإنما هو مجتمع معقد ومنافق بامتياز، فاسد في سلوكه الفردي ويستغرب من فساد السلوك العام كسلوك بعض الإدارات أو المسؤولين. وفهمت أننا نحتاج للإنسان الحقيقي في هذا الوطن؛ الإنسان أولا بقيمه الراقية وليس بخصاله الشريرة. ولهذا وصلت لخلاصة: أن الإنسان شرير بطبعه كما قال بعض الفلاسفة القدامى، والخير مجرد استثناء، أما ما ينتصر في النهاية فهو الشر. لماذا؟ لأن من يخبرك أن الخير هو من ينتصر في الندوات وأمام كاميرات الصحافة، تجده يناصر الشر بطريقة أو بأخرى في الخفاء، ويبحث عن أعطابك التي يعتبرها نقاط ضعفك ليحاربك بها في الوقت المناسب، لكن هذا الشرير اللطيف نسي أننا لا نعبر عن أعطابنا (وهذا ما يجب أن يكون) إلا عندما نتأكد أننا حولناها لنقاط قوة ولم نعد نخجل منها أو نخاف منها.

وفي الختام، وفي نهاية المطاف، لكل إنسان الحق في تقرير هل سيكون خيرا أو شريرا في سلوكه لا في خطابه، لأن الخطاب لا معنى له من دون سلوك يؤكده (مثل بعض خطابات الأحزاب والسياسيين في الانتخابات). لكن ليس لك الحق أن تحكم على الناس بالشر، هذه هي المعضلة الكبرى؛ عندما تطبق شرك على غيرك فالنتائج سيئة، ليس فقط في مؤسسة الأسرة وإنما أيضا في مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، فالفرد هو الدولة، والدولة لا تتكون من الأشباح، إنما من الأفراد، وعلى الفرد أن يتحمل مسؤوليته أيضا قبل أن يلوم الدولة ومؤسساتها، بعدما ننجح في بناء الإنسان، يمكننا النجاح في بناء الدولة، قانون مدونة الأسرة مثلا، مهما كان جيدا فلن ينجح في ظل وجود أشخاص لا يتحملون مسؤوليتهم داخل الأسر، وبدل أن يكون هذا القانون معيارا لإدارة المودة والرحمة والتوافق سيكون كما هو الحال في مغربنا الجميل مجالا لإدارة الصراع الأسري.

د. محمد الشنتوف

مدير النشر

متخصص في الإعلام والتواصل وتدبير الأزمات 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.