الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

ما الجدوى؟ | افتتاحية مغرب بريس تيفي

الرباط- بعيدا عن السب والشتم، هل يمكن ان نتوقف قليلا؟ بعيدا عن تنصيب انفسنا قضاة في محراب الوطنية او الحق او الاخلاق او العدالة، وبعيدا عن اي جدل واي اختلاف في وجهات النظر، او حتى بعيدا عن الاساليب؛ لكل الحق في التعبير عن رايه كما يشاء، وبالاسلوب الذي يختاره، بعيدا هنا عن اي قانون ومن اي دين. سنطرح سؤالا واحدا ونحاول الاجابة عنه جميعا، بتجرد وحياد وعقل يفكر، يحلل، يستنتج، ولا يصدر الاحكام، عقل سوسيولوجي متمرد عن الاحكام الجاهزة والمسبقة.

السؤال يقول: ما الذي يجعل انسانا يحقد على وطنه وعلى ابناء وطنه لهذه الدرجة؟

شاب يقول: الملك يريد ان يعيدنا ونحن لا نريد، وشابة تقول انها تعيش في مجتمع ذكوري لا يستمع اليها، وتبرات من التربية والمدرسة والدين والثقافة وكل ما له علاقة بالمغرب دفعة واحدة. هل يعقل ان تكون هذه الفتاة بهذا الجنون، بهذا التمرد، وبهذا الوجع ايضا؟ نعم، ما الوجع الذي اوصلها لهذه النهاية الحزينة؟ هل هي سعيدة بهذا الانجاز العظيم؟ قطعا لا! هل هي مفتخرة بنفسها؟ قطعا لا!

اتكلم عن الانسانة البسيطة، عن الفتاة المغربية التي ولدت وتربت بين احضان المغاربة، لا عن العدوة المتمردة التي اوجعت مضاجعهم وكشفت عن فشلهم. نعم، فشلنا جميعا كمغاربة؛ فهل نحاكمها هي ونترك من يجب ان يحاكم؟ اين دور الاسرة؟ اين دور المدرسة؟ اين دور الاحزاب؟ واين دور الدولة؟

الخرافة

وعلى ذكر الاحزاب: “غنعاودها لك كيف الخرافة، صدق او لا تصدق”، رئيس حكومة المغرب السيد عزيز اخنوش، وبدل ان يعزي ضحايا الهجرة… اليسوا مغاربة؟ هل جميعهم “شمكارة” لا يساوون شيئا ولا يصلحون لشيء؟ حتى وان كان كذلك، اليسوا مغاربة؟ اذا، وبما انهم مغاربة من دمنا ولحمنا، هل يجوز ان نرقص في الحوز ايها السادة والسيدات ودماء ابنائنا وبناتنا لم تتوقف بعد، وارواحهم لا زالت ترفرف على شواطئ الشمال؟ يا له من جمال! رئيس حكومتنا خرج من صمته خروج الابطال… هذا رقص وذاك احتفال! ويحك يا رجل، الا تخجل من نفسك؟ احقا هذا هو ثمن دماء ابنائنا؟ يا لك من… الوصف لا يليق بمقام هذا المقال!

تحتقر وطني فيحتقرك قلمي، وكنوز الدنيا لا تساوي امام حبره ربع مثقال.

بالعودة الى موضوعنا، ولزمن اختار بكل صراحة ان يوجعنا: مهما قراينا من صفحات كتاب “فن اللامبالاة”، فلا يمكن ان لا نبالي بما وصلنا اليه من حضيض في مختلف القطاعات. فشلت الاسرة، وفشل التعليم، والسياسة اصبحت اكثر من اي وقت مضى مجرد مسرحيات وخطابات؛ فاعلون سياسيون يتخذون من قضايا “جيل زيد”، و”فراقشية” عيد الاضحى، والهجرة، ساحات حرب سياسية لا تخرج من حلبة الخطاب والخطاب المضاد. صدقا، نحن نعيش في زمن سياسة الاقوال لا الافعال.

ومواطنون ايضا يرقصون في جنائز اخوانهم؛ “شجرة فوق شجرة واللهم الزهو ولا زواج القهرة”، هكذا تغني احداهن. طبعا الكل يحاكمها، ولكن لا احد تقريبا طرح السؤال: هل فعلا وصلنا لزمن يكره فيه الزواج ككره العدو لعدوه؟ علينا ان ننتبه، فهذه مصيبة اخرى ربما لم ينتبه إليها البعض. فبعدما انجبنا جيلا حاقدا، منعزلا في عالمه، لا نتواصل معه ولا نفهمه ولا يفهمنا، جاء جيل أعلن أنه لن يتزوح وسننقرض، هو الجيل الذي لنجبناه، خرج ليعبر عن نفسه بطرق مختلفة ولم نفهمه: عبر مظاهرات في الشارع، عبر حفلات “طوطو”، عبر “ستريم” الياس المالكي، عبر عشقه للمنتخب، عبر تعبيره عن الغضب، وعبر صناع محتوى منهم من طرح اسئله كبرى ومنهم من حاكم الاسرة ومعاييرها… والواضح اننا لم ننتبه. والدليل على ذلك اننا استغربنا عندما خرج “جيل زيد” الذي يناقش القضايا الكبرى من رحم “جيل زيد” الرقمي، لنعرف ان “جيل زيد” هو في الحقيقة تعبير عن مجتمع مغربي مركب، وصفه باكون وجسوس وقيل فيه ما قيل، وهناك “جيل زيد” اخر من العباقرة ممن وجدوا لانفسهم مكانا للنجاح داخل نفس الوطن.

نحن مطالبون بالفهم والتفهم؛ هذه اختنا، وذاك اخونا، وكل المهاجرين المغاربة إخواننا، وجعهم يوجعنا. لقد صدمنا من طريقة التعبير عن وجعكم، ولن اتهمكم بالخيانة، بل تهمتكم التاريخية هي “الوجع”. لو اراد كاتب ان يؤلف رواية، او لمخرج ان يعيد ترتيب قصة وجعكم في مشاهد، فسيكون العنوان: “الوجع والوطن”.

تلك المشاهد لن تنسى، وتلك الارواح لن تغيب عن ذاكرة تاريخ الوجع في هذا الوطن.

هناك من يحاول تبخيس ما وقع، وجعل الترحم على من مات مجرد لحظة حزن عابرة. تلك احلام دفنت. اتذكر -وانا اكتب الان- ما قاله خال فاتن التطوانية رحمها الله: “ما كانصوتوش عليهم وكايطلعو، ولكن والله ما نسمح لاي واحد مشا يصوت”. اجد نفسي الان مقصودا بهذا الكلام؛ فانا المواطن الصالح الذي صوت ولم يتغير شيء للأفضل، وكان سيصوت ايمانا بدولة المؤسسات. انا الصحافي الذي خرج ليطرح سؤالا صحفيا حول الاقتناع بجدوى السياسة والانتخابات. انا الصحافي الذي أصبح كالطبيب الجراح في غرفة العمليات؛ عليه ان يدخل مشرحة اعطاب واوجاع المجتمع دون ان يشعر بالوجع: يغطي زلزال الحوز، يغطي فيضانات اسفي، ثم الشمال والغرب، وجيل زيد، ووجع الهجرة… وبين كل وجع ووجع، اوجاع اخرى لا تنتهي: هدم هنا، اعتقال هنا، مظاهرة هنا، وقفة هنا، اعتداء هنا، خبر هنا وخبر هناك… الأخبار لا تنتهي، فكيف لهذا الصحفي ان يبقى على قيد الحياة؟ وهل سيصوت في الانتخابات المقبلة؟

وماذا تفعل السياسة؟

لا شيء، سوى انهم يوزعون ادوار الحديث في البرلمان. قانون المحاماة مثلا ارسله الطالبي العلمي معطوبا، والمحكمة الدستورية ظلت شهرا كاملا لتخبرنا بهذا العطب، ثم خرج القانون في الجريدة الرسمية وكان شيئا لم يحدث! وهذه فضيحة دستورية وقانونية. زمن الفضائح في السياسة لا ينتهي، وفي المجتمع لا ينتهي، وفي نهاية المطاف:

يطلبون من الصحافة ان لا تكون “صحافة فضائح”!

وامام كل هذا، وقبل كتابة ما كتبته، وقول ما كنت ساقوله، طرحت سؤالا هاما: ما الجدوى من الحديث ومن الكتابة؟

الان كتبت… ولكن يبقى السؤال مطروحا: ما الجدوى؟

الله يهدينا ويشوف من حال هاد البلاد.

السلام عليكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.