حين تتحول المسطرة الإدارية الى عقاب لأرملة شهيد
بقلم العيرج ابراهيم ابن شهيد
ليست هذه قصة فردية، بل هي صورة تتكرر مع كثير من أسر الشهداء حين تصطدم بالقانون الجاف والمسطرة الصماء.
أحمد سقط وهو يدافع عن حوزة الوطن، وترك خلفه وساما من نحاس وأرملة وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع قسوة الحياة. لم يكن فقدان الزوج هو الجرح الوحيد، بل كان ما تلاه من خذلان إداري هو الأشد إيلاما.
وقفت مريم أمام مكتب الموظف لتسلم مستحقات زوجها، وهي تحمل حقيبة مليئة بالوثائق التي تثبت حضانتها وولايتها القانونية على أبنائها. غير أن الجواب كان باردا: لا تسليم إلا بحضور كل الورثة وتوقيعهم، حتى الصغار منهم.
حاولت أن توضح أن القانون يمنحها حق النيابة، وأن أحد أبنائها لا يتجاوز السنتين، وأن الآخر لا يعرف من التوقيع إلا رسم خطوط عشوائية، لكن التوسل لم يجد آذانا صاغية.
في اليوم التالي، لم تجد مريم ثمن وسيلة نقل، فقررت أن تقطع المسافة مشيا. سبع كيلومترات كاملة بين بيتها ومقر الإدارة، وهي تسحب خلفها ثلاثة أيتام، تحمل الرضيع على كتفها، ويمسك الأوسط بطرف ثوبها، فيما يحمل الأكبر ذو الإحدى عشرة سنة حقيبة صغيرة.
سارت تحت شمس حارقة، تحاول إخفاء دموعها بابتسامة مصطنعة توهم بها صغارها أنهم في نزهة. كل ذلك من أجل أن يضع طفل صغير بصمته قرب اسم والده الشهيد.
عند الوصول، كانت الثياب مغبرة والوجوه شاحبة من العطش. ومع ذلك لم يهتز للموظف جفن وهو يرى المشهد أمامه، وطلب التوقيع بآلية تخلو من أي حس إنساني.
هنا يظهر المعدن الحقيقي. الأخلاق لا تقاس بالخطب التي تلقى في حفلات تكريم الشهداء، بل بطريقة التعامل مع أمانة الشهيد. تلك الأوراق التي يقدسها الموظف كتبت بدماء الرجل الذي لولاه لما جلس هو في مكتبه آمنا.
عادت مريم في نفس الطريق، سبع كيلومترات أخرى، جيوبها تحمل دريهمات قليلة، وروحها مثقلة بسؤال واحد: هل هذا هو الوطن الذي مات من أجله أحمد؟






