الحوار الاجتماعي في المغرب: حصيلة رقمية قوية وأسئلة مفتوحة حول الأثر والرهانات
الرباط –في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، عادت الحكومة إلى طاولة الحوار مع الشركاء الاجتماعيين ضمن جولة أبريل 2026، في محاولة لترسيخ ما بات يعرف بـ”مأسسة الحوار الاجتماعي”، وتثبيت منطق التفاوض كآلية لتدبير التوازنات بين الدولة والشغيلة والقطاع الخاص.
البلاغ الصادر عقب هذه الجولة يكشف عن حصيلة وُصفت بـ”الغنية”، سواء من حيث الكلفة المالية أو نطاق الإصلاحات، لكنه في الآن ذاته يفتح الباب أمام قراءة تحليلية أعمق تتجاوز الأرقام نحو تقييم الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على الواقع الاجتماعي.
أولا: أرقام ثقيلة… ورسائل سياسية واضحة
قدمت الحكومة خلال هذه الجولة معطيات رقمية لافتة، تعكس حجم الإنفاق العمومي الموجه لتحسين الدخل:
ارتفاع متوسط الأجور في القطاع العام من 8237 درهم سنة 2021 إلى 10600 درهم سنة 2025 (زيادة تقارب 29%)
رفع الحد الأدنى للأجر في القطاع العام إلى 4500 درهم
كلفة إجمالية تناهز 48.3 مليار درهم سنة 2026
وفي القطاع الخاص:
زيادة SMIG بنسبة 20%
زيادة SMAG بنسبة 25%
هذه الأرقام لا تعكس فقط توجها اجتماعيا، بل تحمل أيضا رسالة سياسية مفادها أن الحكومة تسعى إلى تثبيت شرعيتها الاجتماعية عبر تحسين القدرة الشرائية، خاصة في ظل سياق دولي يتسم بارتفاع الأسعار وتداعيات الأزمات الاقتصادية.
ثانيا: من منطق الزيادة إلى سؤال الأثر
رغم أهمية الزيادات في الأجور، فإن الإشكال الحقيقي يكمن في مدى انعكاسها على القدرة الشرائية الفعلية.
فالاقتصاد المغربي، خلال السنوات الأخيرة، عرف موجات تضخمية أثرت بشكل مباشر على أسعار المواد الأساسية، ما يجعل جزءا من هذه الزيادات يُمتص تلقائيا داخل السوق.
بمعنى آخر، هل نحن أمام تحسين حقيقي في مستوى العيش، أم مجرد تعويض جزئي عن تآكل الدخل؟
هذا السؤال يظل محوريا في تقييم نجاعة السياسات الاجتماعية.
ثالثا: الحماية الاجتماعية… تقدم تدريجي بمنطق التوسيع
من أبرز النقاط التي حملها البلاغ، توسيع الاستفادة من معاش الشيخوخة عبر تخفيض شرط أيام الاشتراك من 3240 إلى 1320 يوما.
هذا الإجراء يمثل تحولا مهما في فلسفة الحماية الاجتماعية، إذ ينتقل من منطق الإقصاء المرتبط بالمسار المهني غير المستقر، إلى منطق الإدماج الاجتماعي.
كما أن تمكين من لم يستوفوا الحد الأدنى من استرجاع اشتراكاتهم، يعكس محاولة لتصحيح اختلالات تاريخية في النظام.
رابعا: ملفات مؤجلة… ونقاشات مفتوحة
رغم هذه المكتسبات، يكشف البلاغ عن عدد من الملفات التي لا تزال قيد التفاوض:
إصلاح أنظمة التقاعد
مراجعة الضريبة على الدخل
أوضاع فئات مهنية (المهندسون، المتصرفون، التقنيون)
وضعية المتقاعدين ذوي المعاشات الضعيفة
كما أن الاتفاق على تقليص ساعات عمل حراس الأمن من 12 إلى 8 ساعات، مع تأجيل التنفيذ إلى 2027، يعكس نوعا من التدرج الحذر، وربما صعوبة التوفيق بين البعد الاجتماعي وكلفة الإصلاح على المقاولات.
خامسا: مأسسة الحوار أم تدبير ظرفي؟
أحد المفاهيم المركزية في البلاغ هو “مأسسة الحوار الاجتماعي”، وهو تعبير يحمل بعدا مؤسساتيا يتجاوز اللقاءات الظرفية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في انتظام الحوار، بل في قدرته على إنتاج حلول مستدامة، وتحقيق توازن فعلي بين مطالب الشغيلة وإكراهات الاقتصاد.
فالحوار، في نهاية المطاف، لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بمدى قدرته على تقليص الاحتقان الاجتماعي وتعزيز الثقة بين الفاعلين.
تكشف جولة أبريل 2026 من الحوار الاجتماعي عن مفارقة أساسية:
حكومة تقدم حصيلة رقمية قوية واستثمارات اجتماعية ضخمة، مقابل سياق اقتصادي يجعل من تقييم الأثر مسألة أكثر تعقيدا.
وبين منطق الإنجاز ومنطق الانتظارات، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من تحسين المؤشرات إلى تحسين الإحساس الجماعي بالعدالة الاجتماعية، وهو التحدي الأكبر لأي سياسة عمومية في المرحلة المقبلة.







