الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

تثمين عمل المرأة بالمغرب:بين التدافع الاجتماعي والاستغلال السياسي الجزء الأول ..هشام بوقشوش

إن إعادة توظيف هذا الخطاب لا تتم بمعزل عن شبكات السلطة المادية والرمزية التي تحكم الحقل السياسي؛ فهي ترتبط، في جزء كبير منها، بمحاولات توجيه الرأي العام نحو قضايا ذات طابع أخلاقي وجندري، تُستثمر لتأمين مكاسب حزبية أو شعبوية أو لصرف الأنظار عن إخفاقات في السياسات العمومية

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

الرباط|شهد النقاش العمومي في المغرب خلال السنوات الأخيرة تصاعدا لافاً في استعمال خطاب «تثمين العمل المنزلي للنساء بوصفه مدخلا لإصلاح تشريعي أو أداة للتأطير السياسي والأخلاقي داخل المجتمع. غير أن هذا الخطاب، الذي يبدو في ظاهره اعترافا متأخرا بقيمة الرعاية غير المأجورة وأعمال الإعالة اليومية التي تضطلع بها النساء، يتحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة لإعادة إنتاج عدم المساواة بدل تفكيكها. فمن خلال إعادة تدوير مفهوم التثمين داخل الحقل السياسي، تستعمل الرمزية الأخلاقية للعمل المنزلي لتغطية أعطاب بنيوية أعمق: هشاشة الخدمات الاجتماعية، ضعف البنيات الصحية والتعليمية، ارتفاع كلفة المعيشة، وتزايد الضغوط النفسية والمادية التي ترزح تحتها الأسرة المغربية في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية معقدة.

إن إعادة توظيف هذا الخطاب لا تتم بمعزل عن شبكات السلطة المادية والرمزية التي تحكم الحقل السياسي؛ فهي ترتبط، في جزء كبير منها، بمحاولات توجيه الرأي العام نحو قضايا ذات طابع أخلاقي وجندري، تُستثمر لتأمين مكاسب حزبية أو شعبوية أو لصرف الأنظار عن إخفاقات في السياسات العمومية. وفي هذا السياق، يصبح تثمين العمل المنزلي، في كثير من وجوهه، شكلا من أشكال التقدير الرمزي الذي لا يرافقه توسيع فعلي لحقوق النساء، ولا تخفيف ملموس للأعباء المادية والنفسية التي تتحملها الأسر، بل قد يسهم في تكريس منطق تحميل الأسرة ــ والمرأة تحديدا ــ مسؤولية تعويض غياب الدولة في مجالات الرعاية، مما يضعف فرص التغيير الاجتماعي الحقيقي.

وانطلاقا من هذا التشابك بين الاقتصادي والسياسي والرمزي، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة سوسيولوجية معمقة لظاهرة إعادة توظيف تثمين العمل المنزلي في الخطاب السياسي، من خلال بناء تحليل يستند إلى أطر نظرية متعددة من علم الاجتماع النقدي، تشمل نظرية الحقول لبورديو، والحكومية عند فوكو، والاقتصاد السياسي النسوي، ونظريات الاعتراف والعدالة الاجتماعية. كما سيتم استخلاص مؤشرات نقدية توضح آليات هذا التوظيف وآثاره على بنية الأسرة وعلاقات النوع الاجتماعي، قبل تقديم تفسيرات بديلة ومسارات عملية لتحويل النقاش من مستوى الخطاب الرمزي إلى مستوى الإصلاحات الواقعية.

تبرز القراءة المتأنية للخطاب السياسي المغربي في السنوات الأخيرة عملية مزدوجة يتداخل فيها الاقتصادي بالرمزي، والاجتماعي بالسياسي، في توظيف مفهوم تثمين العمل المنزلي للنساء. ذلك أن هذا الخطاب لا يتحرك في فراغ، بل ينبثق ضمن سياق اجتماعي يطبعه تراكم الأعطاب البنيوية في الخدمات العامة، وتزايد الضغوط النفسية والمادية على الأسرة، وتفاقم التفاوتات الطبقية والجندرية. ومن هنا يتخذ خطاب التثمين وظيفة غير معلنة: تقديم قيمة رمزية بديلة عن استحقاقات مادية فعلية، وتوجيه النقاش العمومي نحو قضايا جندرية أخلاقية تبدو جذابة إعلامياً، لكنها تعمل، في العمق، على إزاحة النقاش عن جوهر الأعطاب التي يواجهها المجتمع.

على المستوى الأول، يسوّق العمل المنزلي بوصفه رصيدا أخلاقيا، وتقدّم النساء باعتبارهن عماد الاستقرار الأسري والاجتماعي. وفي الظاهر، يبدو الخطاب تقديرا لدورهن. غير أن هذا التسويق يتقاطع مع ما تصفه نانسي فريزر بـ”سياسات الاعتراف” التي تتحول إلى تعويض رمزي يفتقر إلى أي بعد لإعادة التوزيع. فبدلا من أن تقود المطالب الاجتماعية إلى إصلاح جذري في بنية الرعاية العامة — من تعليم وصحة ونقل ودعم اجتماعي — يتم تقديم الاعتراف الرمزي للعمل المنزلي كبديل عن الالتزام المالي والمؤسساتي للدولة. وهكذا تنشأ علاقة غير متوازنة يتولى فيها الخطاب الرسمي وظيفة التقليل من حدة المطالب الاجتماعية، وضبط سقف التوقعات، وتوجيه اللوم أو المسؤولية ضمنياً نحو الأسرة نفسها.

أما المستوى الثاني لهذه العملية فهو القدرة على توجيه الرأي العام وإعادة تشكيل أولويات النقاش السياسي. فبدلا من التركيز على الإشكالات العميقة المرتبطة بالبطالة، وغلاء المعيشة، واختلالات المنظومة الصحية، وتدهور المدرسة العمومية، تتجه بعض الخطابات السياسية نحو موضوعات ذات طبيعة مثيرة للجدل الأخلاقي: الإرث، الطلاق، العلاقات الرضائية، تقسيم الممتلكات، وتثمين العمل المنزلي. وهي موضوعات قادرة على خلق استقطاب اجتماعي وإنتاج انفعالات سياسية، مما يجعلها أدوات فعّالة في «تشتيت» النقاش عن إخفاقات ملموسة في السياسات العمومية. هنا تظهر “الحكومية” بالمعنى الفوكوي على أساس إدارة المجتمع ليس عبر الخدمات، بل عبر توجيه الخطاب وتشكيل المعايير وتحديد ما يستحق أن يكون موضع اهتمام عام.

وتتجلى خطورة هذا التوظيف المزدوج عندما نربطه بتأثيراته المباشرة على النساء داخل المؤسسة الأسرية. فحين يعاد تقديم العمل المنزلي كقيمة وطنية، أو كواجب أخلاقي، أو كاختيار نابع من “الفطرة” كما تصوّره بعض الأطراف، فإن ذلك يؤدي عمليا إلى تحميل النساء عبئا مضاعفا: عبء الرعاية اليومية، وعبء التوقعات الاجتماعية، وعبء نقص الخدمات التي يفترض أن توفرها الدولة. وفي ظل غياب إطار قانوني يعترف بهذا العمل كعمل منتج، وإطار اقتصادي يوفر تعويضا أو حماية اجتماعية، فإن التثمين يتحول إلى آلية لإدامة عدم المساواة. وتصبح النساء، لا سيما في الطبقات الفقيرة والمتوسطة، الملاذ الأخير لسد فجوة الرعاية التي خلفتها السياسات العامة.

كما يتداخل هذا الوضع مع ضغوط نفسية يتعرض لها أفراد الأسرة، حيث تتحمل النساء مسؤوليات تتجاوز قدرتهن المادية والعاطفية، ما يؤدي إلى إنهاك مزمن ينعكس على صحتهم النفسية، وعلى ديناميات السلطة داخل الأسرة، وعلى إمكانيات اندماجهن في سوق الشغل، وعلى موقعهن التفاوضي في القرارات الأسرية. وفي هذا السياق بالذات يظهر ما يسميه بورديو “العنف الرمزي”، ومن ثم فخطاب التقدير لا يعمل هنا كآلية للتمكين، بل كأداة لتغطية علاقات قوة غير متوازنة تعاد إنتاجها بشكل يومي داخل المجال الخاص.

إن هذا الوضع يخلق مفارقة بنيوية: ففي الوقت الذي يتصاعد فيه خطاب المساواة وحقوق النساء، تتراجع فعليا فرص تحقيق مساواة اقتصادية واجتماعية حقيقية بسبب غياب سياسات رعاية عامة شاملة. وتتخذ هذه المفارقة طابعا طبقيا واضحا: النساء المنتميات للطبقات الميسورة قادرات على شراء خدمات الرعاية أو تنظيم حياتهن المهنية بشكل أكثر مرونة، بينما تتحمل نساء الطبقات المتوسطة والفقيرة النصيب الأكبر من آثار السياسات المحدودة للرعاية الاجتماعية.

بهذا المعنى، يصبح خطاب تثمين العمل المنزلي ــ حين يستخدم بمعزل عن سياسات مادية ــ شكلا من أشكال “الإصلاح الخطابي”، الذي يكتفي بتحويل المشكلات البنيوية إلى قضايا أخلاقية وجندرية، دون المساس بجوهر اختلالات توزيع السلطة والموارد. وهو ما يستدعي مقاربة نقدية تربط بين الاعتراف الرمزي وإعادة التوزيع المادي، وبين تمكين النساء داخل الأسرة وتمكينهن داخل المجتمع، وبناء سياسات عمومية تتجاوز مجرد التقدير إلى إصلاحات فعلية تعيد توزيع عبء الرعاية، وتحدّ من الاستغلال غير المرئي الذي يجري تحت غطاء الخطاب السياسي.

في ضوء مقاربة بيير بورديو، يكشف تحليل الحقول والعلاقات الجندرية داخلها عن الآليات الدقيقة التي تعاد من خلالها إنتاج اللامساواة عبر ما يبدو في ظاهره تقديرا أو تكريما. ففي الحقلين السياسي والعائلي تحديدا، يعاد تقديم العمل المنزلي للنساء كقيمة عليا وفضيلة أخلاقية، بما يجعله يكتسب كنوع من الرأسمال الرمزي الذي يمنح صاحباته شرعية اجتماعية، لكنه في الوقت نفسه يظل غير قابل للتحويل إلى مكاسب مادية أو حقوقية قابلة للقياس أو التفاوض. هذا التثمين الرمزي لا يعيد الاعتبار بقدر ما يكرّس استبطان النساء لوضعية دونية داخل البنية العائلية، إذ يتحول الاعتراف الأخلاقي إلى تعويض رمزي عن غياب التقدير الفعلي أو الدعم الاقتصادي.

ويتجلى العنف الرمزي في أوضح صوره عندما يستخدم خطاب تثمين العمل المنزلي لإخفاء علاقات استغلال مستبطنة؛ فالتضحيات اليومية تصاغ بلغة الامتنان، والأعباء الثقيلة تقدّم كدليل على الطهرانية أو المسؤولية الأنثوية، فيما تبقى الحرمانات المادية والاجتماعية قائمة بلا مساءلة. بهذه الطريقة، يصبح الخطاب التمكيني الظاهر آلية لإعادة إنتاج نفس البنى اللامتكافئة، حيث يعمل الرأسمال الرمزي كستار يخفي استمرار اللامساواة بدل أن يضع أسس تجاوزها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.