أسماء نعومي تكتب..2024 العام الذي أظهر أن العالم يسير إلى الهاوية .
أسماء نعومي *
2024 الذي كان عاما مليئا بالأحداث وكشف التناقضات في الأنظمة والقوانين الدولية، حيث شهد العالم سلسلة من الأحداث الكبرى التي أعادت تسليط الضوء على هشاشة الأنظمة والقوانين الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول. رغم الادعاءات المستمرة بأن هذه الأنظمة تتمتع بديمقراطية عالية وهي الضامن الأساسي للاستقرار والسلام العالمي، إلا أن الواقع أظهر بوضوح أن هذه الأنظمة لم تواكب التغيرات السريعة والمركبة التي يشهدها العالم اليوم، وأنها أصبحت عبئًا على الشعوب والدول على حد سواء.
-انهيار هيبة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية
لم يكن من قبيل الصدفة أن تبدأ أحداث عام 2024 بتراجع واضح لدور الأمم المتحدة في معالجة الأزمات الدولية. فبينما تشهد مناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا توترات غير مسبوقة، لا تزال المنظمة الأممية في موقف المتفرج، غير قادرة على اتخاذ خطوات حاسمة بسبب الانقسامات بين الدول الأعضاء والمصالح السياسية الضيقة، بدءا من الإبادة المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني والمنتهكة لجميع الحقوق الإنسانية التي لطالما تغنوا بها ورفعوها شعارات على مدار عقود من الزمن وانتهاءا بالحروب الأهلية في السودان واليمن، والنزاعات الحدودية بين الصين والهند، إضافة إلى النزاع بين روسيا و أوكرانيا، جميعها أحداث تكشف عن عجز الأمم المتحدة عن حماية الأمن الدولي.
وفي ذات السياق قد أظهرت المفاوضات حول التغير المناخي والتجارة الدولية مدى تأثير اللوبيات الاقتصادية القوية على قرارات الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، التي فشلت في تقديم حلول حقيقية للتحديات العالمية. مما يدفع الكثيرون للتساؤل : أين هي الأنظمة التي تم إنشاؤها لحماية حقوق الإنسان والبيئة والتنمية المستدامة؟ هل فشلت الأمم المتحدة في إيجاد صيغة حقيقية للتعاون العالمي؟
-الأنظمة المالية الدولية: سيطرة الشركات الكبرى على مقدرات الشعوب
في عالم يتزايد فيه الاعتماد على الاقتصاد الرقمي، تكشف السياسات المالية الدولية عن حقيقة مريرة؛ فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذان يفترض أن يكونا من العوامل المحفزة للتنمية الاقتصادية العالمية، لا يزالان يعتمدان على منطق الاستدانة والربح من الفقر .
وفي 2024، تزايدت الضغوط على الدول النامية بشكل مفرط بسبب القروض المشروطة، في وقت تكافح فيه هذه الدول لمواجهة الأزمات الاقتصادية والصحية، بينما تتسابق الشركات الكبرى لتحقيق الأرباح على حساب حقوق الإنسان والبيئة.
وتحولت المؤسسات المالية العالمية إلى أدوات للسيطرة على الاقتصادات الوطنية، بما يضمن استمرار هيمنة الدول الكبرى على موارد العالم، تحت مبدأ الغاب ” القوي يأكل الضعيف” فعندما يفرض صندوق النقد الدولي شروطًا على دولة فقيرة للتقشف أو رفع أسعار الوقود، لا يكون هناك مبرر سوى تحقيق مصالح القوى الكبرى على حساب الشعوب المنتمية للدول النامية.
-قوانين حقوق الإنسان: شعارات بلا تنفيذ
في الوقت الذي تتبنى فيه الدول الغربية، في معظم الأحيان شعارات رنانة عن حقوق الإنسان، فإن الواقع يثبت أن هذه المبادئ غالبًا ما تكون مجرد تصريحات بلا أي أثر حقيقي ، انتهاكات حقوق الإنسان في بورما، وتدهور أوضاع بلدان الشرق الاوسط ، تظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن القوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان تظل في الكثير من الأحيان حبرا على ورق فقط، دون أن تجد تطبيقًا جادًا في الواقع وإذا حدث وطبقت يكون الأمر متعلق بالدول المتقدمة .
بل إن الأمم المتحدة نفسها شهدت انتقادات واسعة بسبب فشلها في اتخاذ إجراءات حاسمة في مواجهة الانتهاكات التي ارتكبتها بعض الدول الكبرى. تعيش العديد من الشعوب في وضع يتناقض مع ما تصرح به المواثيق الدولية ويؤكد ذلك أن القوانين الدولية أصبحت أداة للضغط السياسي والاقتصادي أكثر منها وسيلة لحماية حقوق الأفراد كيفما كانت جنسيتهم وثقافتهم وانتماءاتهم ووضعهم الاقتصادي الخ.
-الأزمات العالمية وحلول هشة
تسارعت الأزمات في مختلف أنحاء العالم خلال هذا العام الذي لم يتبقى منه سوى ساعات
من حروب ونزاعات إلى تغيرات مناخية تدمر بيئات وحياة ملايين الناس. ومع ذلك، فإن الحلول التي تقدمها الأنظمة الدولية في كثير من الأحيان تظل هشة وغير فعالة. بينما يفترض أن توفر الاتفاقات الدولية مثل “اتفاق باريس” حول المناخ حلولًا لمعالجة الأزمة البيئية، تبقى الفجوة بين الخطط المعلنة والواقع اللامعني، فالمصالح الاقتصادية تظل هي الغالبة.
ومع تصاعد التهديدات البيئية والسياسية في العالم، يظهر جليًا أن النظم الدولية المعتمدة على القوة العسكرية والاقتصادية لم تعد كافية لتلبية احتياجات الشعوب وتحقيق الأمن والاستقرار العالمي.
-الأنظمة القانونية الدولية: من الرغبة في العدالة إلى التفوق السياسي
الأحداث السياسية والاقتصادية التي شكلت ملامح عام 2024 كشفت بوضوح أن العديد من القوانين الدولية وُضعت لخدمة مصالح الأقوياء، وليس لتحقيق العدالة الحقيقية. على سبيل المثال، تظل المحكمة الجنائية الدولية في موقف ضعيف أمام الأزمات العالمية الكبرى، وعجزها عن محاسبة الأنظمة القوية على جرائمها يعكس انعدام الحياد والمصداقية.
حتى قوانين التجارة الدولية التي يفترض أن تساهم في تحقيق التوازن بين الدول، تتحول إلى أداة لفرض الهيمنة الاقتصادية على الدول الصغيرة. علاوة على ذلك، فإن الاتفاقات الاقتصادية التي يتم التوصل إليها في المنتديات الدولية غالبًا ما تنتهي لصالح الدول الكبرى، في حين تبقى الدول النامية في حلقة مفرغة من الفقر والتخلف.
-العالم على حافة الهاوية
إذا كان عام 2024 قد كشف العديد من التناقضات في الأنظمة والقوانين الدولية، فإن ذلك يعد نذيرًا لمستقبل غير واعد. فعلى الرغم من وجود العديد من المنظمات والمعاهدات التي تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي وحماية حقوق الإنسان، إلا أن ما يحدث على أرض الواقع يكشف عن تراجع في فعالية هذه الأنظمة، بل ويعزز الفوضى السياسية والاقتصادية. تبدو هذه الأنظمة كما لو أنها تسير بخطى ثابتة نحو الهاوية، ما يتطلب إعادة النظر فيها وتجديدها بما يتماشى مع الواقع الجديد وتطلعات الشعوب التي تزداد أصواتها للمطالبة بالعدالة والحقوق الإنسانية الحقيقية.
*كاتبة رأي، فاعلة مدنية بمدينة طنجة.






