من شرعية القوة إلى شرعية الثقة:الأبواب المفتوحة للأمن الوطني وتحول صورة المؤسسة الأمنية في المغرب
د. هشام بوقشوش: باحث في علم الاجتماع| لا يمكن اختزال الدورة السابعة للأبواب المفتوحة للمديرية العامة للأمن الوطني، المتزامنة مع الذكرى السبعين لتأسيس جهاز الأمن الوطني وافتتاح المقر المركزي الجديد بالرباط، في مجرد حدث مؤسساتي أو مناسبة احتفالية عابرة؛ بل نحن أمام لحظة سوسيولوجية كثيفة، تكشف عن تحولات عميقة في تمثلات الدولة المغربية للأمن، وفي الكيفية التي تسعى بها المؤسسة الأمنية إلى إعادة بناء مشروعيتها الرمزية داخل المجال العمومي، وإعادة صياغة علاقتها التاريخية بالمواطن المغربي.
فالحدث، في عمقه، لا يتعلق فقط بفتح أبواب مؤسسة أمنية أمام العموم، وإنما بإعادة تقديم الذات المؤسساتية للأمن الوطني داخل الفضاء الاجتماعي وفق منطق جديد يقوم على الانفتاح، والتواصل، والفرجة التفاعلية، والتربية الأمنية، وإنتاج الثقة الجماعية. ومن ثم، فإن استثنائية تزامن الاحتفال بسبعين سنة من الوجود المؤسساتي للأمن الوطني مع تدشين مركب أمني ضخم وحديث، يجعل من المناسبة إعلانا رمزيا عن انتقال المؤسسة الأمنية المغربية من نموذج الأمن الإداري التقليدي إلى نموذج الأمن المؤسساتي الذكي، القائم على التكنولوجيا، والتخصص، والحوكمة الرقمية، والاستثمار في الرأسمال البشري.
ومن منظور سوسيولوجيا الدولة، يبدو واضحاً أن المؤسسة الأمنية المغربية لم تعد تكتفي بأداء وظائف الضبط والحماية بالمعنى الكلاسيكي، بل أصبحت تشتغل أيضا على إنتاج الشرعية الرمزية، أي على بناء صورة اجتماعية جديدة للأمن باعتباره مؤسسة مواطِنة وقريبة من المجتمع. وهنا تبرز أهمية استحضار تصور ماكس فيبر للدولة الحديثة باعتبارها الجهة المحتكرة للعنف المشروع، غير أن الدولة المعاصرة لم تعد تكتفي باحتكار القوة، بل أصبحت مطالبة أيضا بإنتاج القبول الاجتماعي والاعتراف الجماعي والطمأنينة النفسية.
وفي هذا السياق، تتحول الأبواب المفتوحة إلى تقنية رمزية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، خاصة داخل مجتمع ظلت علاقته بالأجهزة الأمنية، لعقود طويلة، محكومة بمسافة نفسية وتاريخية معقدة تشكلت بفعل الذاكرة الجماعية، والتجارب السياسية، وصور السلطة الصلبة داخل المخيال الاجتماعي. لذلك فإن السماح للمواطن بولوج الفضاء الأمني، والاحتكاك المباشر برجال الأمن، ومشاهدة آليات العمل والتجهيزات والتقنيات الحديثة، لا يمثل فقط انفتاحا تواصليا، بل يشكل عملية تفكيك تدريجية للصورة النمطية التقليدية التي ظلت تختزل رجل الأمن في وظيفة الردع والمراقبة.
إن المؤسسة الأمنية هنا لا تنتج الأمن فقط، بل تنتج أيضا المعنى الاجتماعي للأمن. وهذا ما يجعل الحدث قريباً من مفهوم الرأسمال الرمزي عند بيير بورديو، حيث تتحول الهيبة الأمنية من مجرد سلطة مادية إلى سلطة رمزية قائمة على الثقة والاعتراف والاحترام الجماعي. فالمؤسسات الحديثة لا تستمد قوتها فقط من أدواتها القانونية والتنظيمية، بل أيضا من قدرتها على إنتاج صورة عمومية إيجابية ومقنعة داخل المجال الاجتماعي.
ومن اللافت سوسيولوجيا أن الأبواب المفتوحة لم تقم فقط حول العروض الأمنية الكلاسيكية، بل جرى تصميمها كفضاء تفاعلي متعدد الأبعاد، يزاوج بين الأمني والتربوي والتكنولوجي والإنساني. فمحاكاة مسرح الجريمة، وورشات الأمن السيبراني الخاصة بالأطفال، والعروض التقنية والسينوتقنية، وتجارب الواقع الافتراضي، كلها تؤشر على تحول عميق في فلسفة التواصل الأمني. إننا أمام مؤسسة تحاول أن تجعل الأمن قابلا للفهم والمعايشة، لا مجرد سلطة غامضة تمارس وظائفها من خلف الجدران.
ويكتسي حضور الطفولة داخل هذه التظاهرة دلالة خاصة؛ لأن المؤسسة الأمنية تبدو واعية بأن بناء الثقة لا يتم فقط مع المواطن الراشد، بل يبدأ منذ الطفولة عبر التنشئة الرمزية المبكرة. فالطفل الذي يشارك في ورشة حول مخاطر الجرائم الإلكترونية، أو يتفاعل مع رجال الشرطة داخل فضاء مفتوح وودي، يعيد تشكيل تمثلاته حول الأمن والدولة والسلطة. وهنا يمكن استحضار تحليلات إرفينغ غوفمان حول إدارة الانطباع، حيث تعمل المؤسسات الكبرى على التحكم في الكيفية التي تقدّم بها نفسها أمام الجمهور، عبر تفاصيل دقيقة تشمل اللغة، واللباس، والفضاء، والحركات، وأنماط التفاعل.
وفي هذا الإطار، يصبح حسن الاستقبال، والانضباط التنظيمي، وطريقة الشرح، والمرونة في التواصل، والسماح بالتقاط الصور، جزءاً من الدراماتورجيا المؤسساتية التي تسعى من خلالها المؤسسة الأمنية إلى بناء صورة إنسانية واحترافية متوازنة. فالمواطن لا يتفاعل فقط مع مؤسسة مجردة، بل مع تجارب حسية وانفعالية مباشرة تترك أثرا في الذاكرة الجماعية. لذلك فإن الإيقاعات الإنسانية الراقية التي ميزت التظاهرة ليست تفصيلا هامشيا، بل جزء من استراتيجية رمزية واعية لإعادة إنتاج العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس أقل توتراً وأكثر تواصلا.
ومن الزوايا العميقة في هذا الحدث أيضا، حضور ما يمكن تسميته بثقافة الاعتراف المؤسساتي، من خلال تكريم المدراء العامين السابقين للأمن الوطني. فهذا التكريم لا يحمل فقط بعدا بروتوكوليا، بل يعكس وعيا بأهمية الذاكرة المؤسساتية في بناء استمرارية الدولة. فالمؤسسات الكبرى لا تعيش فقط بالقوانين والهياكل، بل أيضاً بالسرديات الرمزية والاعتراف بالتراكم البشري والمهني. إن الاعتراف برجال الدولة السابقين يساهم في ترسيخ الانتماء المؤسساتي، وفي بناء نوع من الأخلاق المهنية الجماعية داخل الجهاز الأمني.
كما تكشف التظاهرة عن التحول العميق الذي عرفه مفهوم الرأسمال البشري الأمني داخل المغرب. فرجل الأمن لم يعد يُقدَّم باعتباره موظفا تنفيذيا فقط، بل باعتباره كفاءة متعددة التخصصات تجمع بين التكوين الأكاديمي، والجاهزية التقنية، والقدرات التواصلية، والخبرة الرقمية، والمرونة النفسية. وهو ما يعكس انتقال المؤسسة الأمنية المغربية نحو نموذج الأمن المعرفي، حيث أصبحت المعلومة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتدبير الرقمي، عناصر مركزية في إنتاج الأمن الحديث.
أما المقر المركزي الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني، فإنه يتجاوز كونه مجرد بناية إدارية ضخمة، ليصبح معماراً سيادياً يحمل دلالات سياسية ورمزية واضحة. فالمعمار المؤسساتي، وفق سوسيولوجيا الدولة، ليس محايدا؛ إذ تعبر البنايات الكبرى عن صورة الدولة التي تريد تقديمها عن نفسها: دولة قوية، منظمة، حديثة، ومتمكنة تقنيا. لذلك فإن تجميع مختلف المصالح الأمنية داخل فضاء موحد يعتمد أحدث أنظمة التدبير الرقمي يعكس سعيا نحو عقلنة القرار الأمني، وتكثيف التنسيق المؤسساتي، ورفع النجاعة العملياتية.
كما أن اختيار حي الرياض بالرباط، باعتباره قلبا استراتيجيا وإداريا للعاصمة، يمنح للمقر بعدا سياديا واضحا، ويجعل من الفضاء الأمني جزءا من الهندسة الجديدة للمركز الإداري للدولة المغربية الحديثة. وهنا يتحول المعمار الأمني ذاته إلى خطاب سياسي صامت حول الدولة، والنظام، والاستقرار، والقدرة التنظيمية.
إن الأبواب المفتوحة للأمن الوطني تكشف عن انتقال المؤسسة الأمنية المغربية من منطق أمن الدولة بالمعنى الضيق، إلى منطق الدولة الأمنية التواصلية، أي الدولة التي لا تكتفي بإنتاج الأمن المادي، بل تعمل أيضاً على إنتاج الإحساس الجماعي بالأمن، وصناعة الثقة، وتدبير الصورة العمومية للمؤسسة. فالأمن هنا لم يعد مجرد وظيفة سيادية مغلقة، بل أصبح ممارسة اجتماعية وثقافية ورمزية تسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة داخل مغرب يعرف تحولات متسارعة على مستوى الوعي الاجتماعي، والانتظارات المدنية، والتحديات الرقمية والأمنية الجديدة.
إنها، في النهاية، لحظة تعكس كيف أصبح الأمن في المغرب المعاصر ليس فقط جهازا للحماية، بل فاعلا مركزيا في إنتاج التماسك الرمزي للدولة الحديثة، وإعادة هندسة الثقة العمومية، وصناعة صورة جديدة للمؤسسة الأمنية باعتبارها مؤسسة معرفة، وتواصل، وتنظيم، وإنسان أيضا.







