الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

حينما يتبدل الجلباب السياسي، هل يبدل معه الممثل السياسي جلدته أيضا؟

 

المغرب / الانتخابات البرلمانية

حينما يتبدل الجلباب السياسي، هل يبدل معه الممثل السياسي جلدته أيضا؟

ونحن على بعد أيام قليلة من الاقتراعات البرلمانية يبدو أن هذا السؤال  في ظاهره بسيطا لكنه يحمل في عمقه الكثير من علامات الاستفهام التي تفرض نفسها بقوة كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية وكلما بدأنا نلاحظ ذلك السباق المحموم نحو تغيير الانتماءات الحزبية وكأن بعض السياسيين لا يغيرون فقط لون الانتماء الحزبي وإنما يغيرون معه مواقفهم وخطابهم وحتى ذاكرتهم السياسية  ، حيث  شاهدنا خلال الآونة الأخيرة حركة سياسية مختلفة عن العادة، تهم تغيير الانتماءات والانتقال من حزب إلى آخر في مشهد أصبح مألوفا إلى درجة أن المواطن لم يعد يتساءل فقط عن البرنامج الانتخابي للمرشح وإنما أصبح مطالبا أحيانا بتذكر الحزب الذي كان ينتمي إليه بالأمس وتاريخ الحزب الذي  انتقل إليه اليوم  وربما الوجهة التي قد يقصدها غدا.

حيث ازدادت في الآونة الأخيرة نسبة المنتقلين من حزب لآخر على غير العادة خصوصا بعدما فقد حزب الأغلبية الحاكم شرعيته السياسية في نظر شريحة واسعة من المتتبعين وصار كالذي حُكم عليه بالإعدام وينتظر موعد الشنق، إذ بدأت بعض الأسماء في البحث عن مخرج آمن من السفينة قبل أن تغرق ؛أو هكذا يبدو الأمر على الأقل من خلال المشهد الذي نراه أمام أعيننا.( لا نعمم بالتأكيد على جميع المنتخبين الذين غيروا وجهتهم الحزبية فمنهم من يغير لأنه لم يجد في الحزب نفسه ولم يستطيع تغيير قناعاته لخدمة مصالح الحزب لكننا نتحدث عن الغالبية منهم الذين يركضون وراء مصالحهم الخاصة..) 

وهنا لا بد أن نطرح السؤال دون مواربة: هل المشكل يكمن فعلا في الحزب أم في من يقود الحزب ويمثله؟

هل الحزب هو الذي يقرر وحده طريقة تصرف المنتخب؟ أم أن الشخص الذي يحمل الصفة الحزبية هو المسؤول عن اختياراته ومواقفه ووعوده والتزاماته؟

وإذا كان الحزب السابق قد أصبح فجأة غير صالح سياسيا، فهل الاختيار القادم  كان صالحا طوال السنوات الماضية؟ وإذا كان البرنامج الذي حمله السياسي إلى المواطن لم يعد مناسبا، فلماذا لم نسمع منه هذا الكلام في بداية الولاية؟ ولماذا لم يخرج إلى المواطنين ليخبرهم بأن هناك خللا يحتاج إلى تصحيح؟

أم أن السياسي لا يكتشف عيوب الحزب إلا عندما يشعر أن الانتماء إليه أصبح يشكل عبئا ثقيلا على مستقبله الانتخابي ويهدد مصالحه؟

فما الجدوى إذن من هذا الانتقال؟

وهل الإشكالية العويصة تكمن في اسم حزب معين دون غيره؟ أم في الشخص الذي يمثله على صعيد الجماعات الترابية وقبة البرلمان؟

لأن المواطن البسيط قد لا تهمه كثيرا كل تلك الحسابات الحزبية الداخلية ولا تعنيه بالدرجة الأولى الخلافات التي تقع خلف الأبواب المغلقة أثناء انعقاد اجتماعاتهم الغير مجدية وإنما تهمه النتيجة التي يلمسها في حياته اليومية.

يريد طريقا معبدا بمواصفات تليق به وبوطنه وخدمات صحية وتعليمية الخ ..تحفظ كرامته وإدارة تستمع إليه، ومجلسا جماعيا يتعامل معه كمواطن له حقوق وليس كرقم انتخابي ؛ونائبا برلمانيا يتذكر أن من أوصله إلى قبة البرلمان ليس صورته على الملصقات ولا شعار التنظيم وإنما أصوات مواطنين وضعوا ثقتهم فيه.

لكن ما يحدث في كثير من الأحيان يجعل المواطن يشعر وكأن السياسة أصبحت موسما له طقوسه الخاصة.

قبل الانتخابات: تطرق الأبواب وتُمد الأيادي للمصافحة وترتسم الابتسامة في وجه الجميع وتنظم الزيارات من أجل تمرير المزيد من الوعود، وتروج الصورة المثالية بمضاعفات الاجتماعات التي تتخذ شعار  من قبيل “نحن معكم”.

وحينما تمر  الانتخابات: لا يجد المواطن سوى الأبواب الموصدة في وجهه وهواتف لا تجيب، مواعيد مؤجلة، وانشغالات كثيرة لا تنتهي.

وبين المرحلتين يضيع المواطن وتضيع معه الوعود التي قُدمت له.

فهو ليس غبيا كي يتم استخدامه عند الحاجة وسئم من الصورة السياسية التي يضطر لمشاهدتها كلما اقترب موعد الاقتراع. سئم من الخطابات التي تتغير حسب المناسبة، ومن الوجوه التي تكتسي فجأة ثوبا جديدا ومن البرامج التي تظهر في الوقت الذي تظهر فيه صناديق الاقتراع ثم تختفي مع اختفائها.

سئم من أن يكون المواطن مطلوبا بشدة في فترة الانتخابات ومن ثم يصبح بعد إعلان النتائج مجرد شخص عادي لا يملك موعدا ولا رقما ولا مكانا في أجندة المنتخب.

وبالرغم من أن صفة “مواطن” صارت منقسمة بالآونة الأخيرة، فهناك من يرضى بكل هذا الذل ويطبل للسياسيين كيفما كان شكل انتمائهم، يكفي أن يستلم مقابل ذلك بضع دريهمات أو مقابل مصلحة ما كانت من المفترض أن تكون حقه الطبيعي.

فعل يتحول الحق إلى منّة؟

وكيف يتحول المال الانتخابي إلى مقابل لصوت

يفترض أن يكون حرا؟

وكيف يقبل المواطن أن يحصل على شيء من حقوقه في صورة إحسان انتخابي، ثم يمنح في المقابل صوته لمن قدم له ذلك الشيء؟

أليس من الغريب أن يجد المواطن نفسه مضطرا أحيانا إلى شكر سياسي على خدمة تدخل أصلا ضمن مسؤولياته؟

إن السياسي الذي يقدم خدمة عمومية ليس صاحب فضل شخصي على المواطن، كما أن المواطن الذي يطالب بحقه ليس متسولا يقف أمام باب أحد.

لكن عندما تختلط الأمور يصير  من السهل تحويل الحقوق إلى هدايا وتحويل المواطن إلى تابع والانتخابات إلى مناسبة للمساومة بدل أن تكون مناسبة لممارسة الاختيار السياسي الواعي.

وفي المقابل هناك مواطن يعي تماما الخبث السياسي لكنه يجلس بعيدا يشاهد بصمت ويكتفي بالفرجة.

لأنه فقد الثقة في كل المرشحين . وربما لأنه تعب من تكرار المشهد.

وربما لأنه لم يعد يرى فرقا كبيرا بين الأسماء والشعارات، بعدما أصبح يعتقد أن الوجوه تتغير بينما تبقى النتيجة نفسها.

وهناك فئة قليلة جدا تنتفض وترفع صوتها ضد الفساد السياسي الذي طال في  بلادنا وانتشر بشكل مفرط حتى صار من البديهيات وصار الحديث عنه في بعض الأحيان أشبه بالحديث عن أمر اعتاد عليه الناس بدل أن يكون أمرا يستوجب الوقوف عنده ومساءلته.

لكن أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

هل المشكلة في السياسي وحده؟

أم في المنظومة الانتخابية؟

أم في نوعية الأحزاب ؟

أم في المواطن الذي يقبل أحيانا بمنطق ” المتاجرة بالأصوات “؟

لربما تكمن المشكلة في كل هذه العناصر مجتمعة، لأن السياسة لا تُصنع من طرف واحد.

فالسياسي يحتاج إلى مواطن يمنحه الثقة والمواطن يحتاج إلى سياسي يثبت أنه يستحقها والحزب يفترض أن يكون الإطار الذي ينظم هذه العلاقة على أساس برنامج ومبادئ ومسؤولية لا مجرد محطة مؤقتة يركن إليها السياسي حين تكون الظروف مواتية ثم يغادرها عندما تتغير الحسابات.

لكن الطامة الكبرى متعلقة بكل هؤلاء الذين نراهم حينما يقترب موعد الاقتراع يهرولون نحو انتماءات سياسية جديدة، وكأن السنوات الخمس الماضية لم تكن سوى مرحلة عابرة يمكن التخلص منها بمجرد تغيير العنوان.

خمس سنوات كاملة من المسؤولية.

خمس سنوات من القرارات الفاشلة

خمس سنوات من الحضور المغلف  بالغياب.

خمس سنوات من الوعود التي لم  تتحقق.

ثم يأتي موعد الانتخابات، فيصبح كل شيء قابلا لإعادة التقديم  من جديد وكأننا أمام فليم سينمائي يتكرر بحذافيره مهما تغير قاعة العرض .

حيث يظهر  السياسي أمام المواطنين بخطاب تم حفظه مسبقا، بصور  مختلفة، وشعار مختلف ويطلب منهم أن ينظروا إليه وكأن الماضي لم يكن.

لكن هل يستطيع الإنسان أن يخلع تاريخه كما لو كان يخلع معطفا؟

هل يمكن للسياسي أن يتخلص من مسؤوليته بمجرد تغيير الانتماء؟

وهل يستطيع أن يقول للمواطن: “ذلك كان الحزب السابق، أما أنا فلا علاقة لي به”؟

إذا كان الأمر كذلك، فمن يتحمل مسؤولية السنوات التي قضاها داخله؟

إن المسؤولية السياسية لا يمكن أن تكون انتقائية يأخذ منها السياسي ما يناسبه ويتخلص مما لا يناسبه.

فإذا كان قد استفاد من قوة الحزب عندما كان قويا، فعليه أن يفسر للمواطن لماذا غادره عندما أصبح ضعيفا.

وإذا كان قد دافع عن اختيارات الحزب بالأمس، فمنحق المواطن أن يعرف ما الذي تغير اليوم.

وإذا كانت هناك خلافات حقيقية فليتم عرضها أمام الرأي العام بوضوح، لأن المواطن ليس ساذجا إلى درجة أنه لا يستطيع فهم الفرق بين الخلاف السياسي وبين الحساب الانتخابي.

محاولة تحميل الانتماء السابق مسؤولية كل شيء تشبه إلى حد كبير شخصا يرتكب الخطأ ثم يلوم الظروف  التي كان عليها.

فالمشكلة ليست دائما في الإطار السياسي.

المشكلة قد تكون في الشخص الذي اختار ذلك الإطار، وفي القرارات التي اتخذها داخله وفي المواقف التي دافع عنها و الوعود التي قدمها للمواطنين.

ليبدأ بعدها السياسي في حفظ أسطوانة جديدة مليئة بالوعود السياسية الواهية، متعمدا بذلك الاستخفاف بوعي المواطن الذي سئم منهم ومن كل ترهاتهم المتعفنة التي أكل عليها الدهر وشرب حتى أصابه الغثيان.

وعود جديدة عن التنمية والتشغيل وتحسين الخدمات ومحاربة الفساد الخ

لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الوعود هو: ماذا فعلتم بالوعود السابقة؟

فالمواطن لا يحتاج إلى دفتر جديد من الوعود بقدر حاجته إلى دفتر قديم تتم فيه محاسبة أصحابها.

لا يحتاج إلى أن يسمع من السياسي ما سيقوم به غدا فقط، بل يريد أن يعرف ماذا فعل بالأمس كي يستحق تجديد الثقة به.

وهنا يجب أن يصبح مفهوم “الحصيلة” حاضرا بقوة في الخطاب الانتخابي.

لأن الحصيلة هي المرآة التي لا تستطيع الشعارات تغيير  صورتها بسهولة.

فقد يستطيع السياسي تغيير صورته.

وتغيير شعاره و حزبه ويستطيع تغيير خطاباته.

لكن الحصيلة تبقى.

والمواطن الذي عاش خمس سنوات في جماعة ترابية أو دائرة انتخابية معينة يعرف جيدا ما الذي تغير حوله وما الذي  الذي لم يتغير.

يعرف الطريق التي وعد بإصلاحها وبقيت كما هي.

والمشروع الذي أعلن عنه ولم ير النور.

ويعرف المنتخب الذي كان لا يفوّت مناسبة للظهور ثم اختفى بعد الوصول إلى المسؤولية.

ويعرف أيضا المنتخب الذي بقي قريبا من المواطنين لكنه كالشبح يهرب من كل نقاش حول مسؤولياته وحينما يشارك في الحوار يتحدث وكأنه غير معني بالوضع ، إن  الواقع اليومي لا يمكن تزويره كله بواسطة الصور والملصقات.

ومن هنا، فإن تغيير الانتماء السياسي ينبغي ألا يكون جواز مرور إلى النسيان.

بل ينبغي أن يكون مناسبة للسؤال والمساءلة.

لماذا غادر؟ وماذا قدم ؟

ماذا قدم؟ وماذا تغير في مواقفه؟

وما الذي يضمن للمواطن أن المرحلة الجديدة لن تكون مجرد نسخة أخرى من السابقة؟

فالمواطن اليوم ليس في حاجة إلى سياسي بارع في تغيير الواجهات، وإنما إلى شخص يستطيع أن يحافظ على مصداقيته، وأن يقف أمام من انتخبوه دون خوف من السؤال، ودون حاجة إلى الاختباء خلف حزب أو شعار جديد.

فالمظهر مهما تغير لن يخفي إلى الأبد ما تحته.

والعطر مهما كان فاخرا لن يستطيع إلى الأبد إخفاء رائحة الجلد المتعفن.

أما المواطن، فقد يصمت مرة وقد يصبر مرة وقد ينخدع مرة، لكنه ليس مطالبا بأن يظل طوال الوقت أسيرا للمشهد نفسه.

فالانتخابات ليست موعدا لتغيير الألوان والشعارات فقط…

بل ينبغي أن تكون موعدا لكشف الحساب، واستحضار الحصيلة وطرح السؤال الحقيقي:

هل تغير السياسي فعلا، أم أنه غير فقط الواجهة التي يظهر بها أمام المواطن من أجل طمس الحقائق السابقة واستغلال سذاجة المواطن البسيط ؟ 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.