الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

الدخول المدرسي في المجتمع المغربي:الكلفة والاختيار والضغط وإعادة إنتاج التفاوتات

د.هشام بوقشوق|باحث في علم الإجتماع | لا يمكن النظر إلى الدخول المدرسي في المجتمع المغربي باعتباره مجرد موعد زمني تعود فيه المدرسة إلى أداء وظائفها بعد العطلة الصيفية، أو باعتباره لحظة إدارية مرتبطة بإعادة التسجيل وتوزيع الأقسام وتحديد الجداول الدراسية.

فالدخول المدرسي، في دلالاته الاجتماعية العميقة، يمثل لحظة كثيفة تتقاطع فيها الأسرة والمدرسة والسوق والدولة والإعلان والطبقة الاجتماعية والثقافة والاستهلاك والتكنولوجيا والانتظارات المستقبلية.

إنه موسم اجتماعي بامتياز، تتكثف خلاله أشكال متعددة من القلق والتفاوض والاختيار والمقارنة والضغط والممانعة، وتظهر فيه بصورة أكثر وضوحا علاقة المجتمع المغربي بالتعليم، ليس باعتباره حقا دستوريا ومؤسسة للتنشئة وإنتاج المعرفة فقط، وإنما باعتباره أيضا كلفة اقتصادية واستثمارا أسريا ومجالا لإعادة إنتاج المكانة الاجتماعية.

فبمجرد اقتراب الموسم الدراسي، تبدأ الأسر في إعادة ترتيب أولوياتها. يتحول الطفل من فرد يعيش إيقاع العطلة إلى “تلميذ” يحتاج إلى منظومة كاملة من الشروط المادية والرمزية للعودة إلى المدرسة: التسجيل، إعادة التسجيل، الكتب، الدفاتر، الأدوات، المحفظة، اللباس، النقل، التغذية، الدعم الدراسي، وأحيانا مصاريف إضافية تفرضها طبيعة المؤسسة التعليمية. ولذلك يصبح الدخول المدرسي لحظة تتحول فيها الأسرة إلى وحدة اقتصادية وتدبيرية مطالبة بتأمين حاجات متعددة في فترة زمنية محدودة، وهو ما يجعل الموسم الدراسي أقرب إلى اختبار سنوي لقدرة الأسرة على إدارة مواردها أكثر من كونه مجرد عودة روتينية إلى التعليم.

وتحتل المكتبات في هذه اللحظة موقعا مركزيا داخل المشهد الاجتماعي. فهي تتحول خلال فترة قصيرة إلى فضاءات مكتظة بالآباء والأمهات والتلاميذ، حيث تتقاطع اللوائح المدرسية مع المنتجات المعروضة والأسعار المحددة ومدى توفر الكتب واللوازم. غير أن الإقبال على المكتبات لا يمكن تفسيره بمنطق الاستهلاك العادي؛ فالمستهلك في السوق العادية يمتلك نسبيا حرية تأجيل الشراء أو استبدال المنتج أو مقارنة الأسعار أو التخلي عن السلعة، بينما الأسرة في الدخول المدرسي تكون أمام حاجات مرتبطة بمواعيد محددة ومتطلبات مدرسية لا يمكنها دائما تجاوزها. فالكتاب المطلوب من طرف المؤسسة لا يمكن تأجيله طويلا، والأداة التي يحتاجها الطفل داخل القسم تتحول إلى ضرورة، والوقت الفاصل بين إعلان اللائحة وبداية الدراسة لا يسمح دائما ببحث طويل عن البدائل.

ومن هنا يتشكل نوع خاص من العلاقة بين الأسرة والسوق يمكن تسميته استهلاك الضرورة التعليمية. فالأسرة لا تشتري لأنها راغبة في الاستهلاك، وإنما لأنها مطالبة بتوفير شروط الدخول المدرسي. وهذا الوضع يضعف قدرتها على التفاوض، ويجعل سؤال السعر أكثر حساسية. وقد تجد الأسرة نفسها أمام أسعار يصعب مناقشتها، ليس لأنها مقتنعة بها بالضرورة، وإنما لأنها تعرف أن الوقت محدود، وأن البدائل محدودة، وأن الطفل يحتاج إلى الكتاب والأداة قبل بداية الدراسة. وبذلك يصبح الزمن نفسه عاملا اقتصاديا ضاغطا، ويصبح اقتراب موعد الدخول المدرسي عنصرا في تحديد القدرة التفاوضية للمستهلك.

ويزداد هذا الوضع تعقيدا عندما يتعلق الأمر بكتب ذات منشأ أجنبي مدرجة ضمن بعض المقررات أو اللوائح التعليمية، خصوصا عندما تكون هذه الكتب نادرة في السوق أو محدودة التوزيع أو مرتفعة الثمن بصورة مبالغ فيها. وهنا تبرز إشكالية لا تتعلق بالكتاب في حد ذاته، وإنما بطبيعة العلاقة بين المنظومة التعليمية المغربية وإنتاج المعرفة والوسيلة التعليمية. فالاستفادة من الإنتاج العلمي العالمي أمر طبيعي وضروري، والانفتاح على التجارب والمناهج الدولية يمكن أن يمثل قيمة تربوية وعلمية كبيرة؛ غير أن الانفتاح المعرفي شيء، وتحويل الكتاب الأجنبي إلى شرط شبه إلزامي للتعلم في ظل ندرة العرض وارتفاع الثمن شيء آخر.

فإذا كان إدراج كتاب أجنبي يستجيب لحاجة معرفية أو تربوية لا يوفرها البديل المحلي، فإن السؤال يصبح: هل قامت المنظومة التعليمية بتأمين توفره وبسعر عادل وبقنوات توزيع واضحة؟ وهل أخذت القدرة الشرائية لمختلف الأسر بعين الاعتبار؟ وهل توجد بدائل تعليمية متاحة للتلميذ الذي لا تستطيع أسرته اقتناء الكتاب؟ أما إذا كانت المضامين قابلة للإنتاج أو التكييف محليا دون خسارة علمية، فإن الاستمرار في الاعتماد على مصدر خارجي نادر أو مرتفع التكلفة يفتح النقاش حول قدرة الهندسة التربوية المغربية على إنتاج كتب ومقررات وموارد تعليمية ذات جودة عالية، تعبر عن حاجات المتعلم المغربي، وتستفيد في الوقت نفسه من المعرفة العالمية دون الوقوع في التبعية لها.

ولا ينبغي أن يتحول هذا السؤال إلى موقف انعزالي ضد المعرفة الأجنبية؛ فالمشكلة ليست في جنسية الكتاب وإنما في شروط إنتاج المعرفة وتداولها وإتاحتها. فالمدرسة المنفتحة ليست التي تستورد الكتب بالضرورة، وإنما التي تمتلك القدرة على إنتاج المعرفة محليا والتفاعل النقدي مع المعرفة العالمية. ولذلك فإن بناء منظومة قوية للكتاب المدرسي المغربي ينبغي ألا يعني الانغلاق على الذات، وإنما يعني امتلاك القدرة على الترجمة والتأليف والتكييف والإبداع وإنتاج الموارد التعليمية التي تجعل المتعلم المغربي مستفيدا من الرصيد الكوني للمعرفة دون أن يصبح رهينة لسلعة تعليمية نادرة أو باهظة الثمن.

وتظهر هنا قضية أخرى مرتبطة بالتحولات التي عرفها الاستهلاك المدرسي. فقد كانت بعض الأدوات والوسائل المدرسية في الماضي قابلة لإعادة الاستخدام والانتقال من طفل إلى آخر، خصوصا داخل الأسرة الواحدة. كانت المحفظة والكتب وبعض الأدوات تستمر لسنوات، وكانت الأسرة تعيد تقييم ما هو صالح وما يحتاج إلى الاستبدال. وكان هذا السلوك جزءا من ثقافة اقتصادية تقوم على التدبير والاقتصاد وإعادة الاستعمال. أما اليوم، فقد أخذ الدخول المدرسي يتحول تدريجيا إلى مناسبة للاستهلاك الجديد، حيث يرتبط الموسم المدرسي بصورة الطفل الجديد، والمحفظة الجديدة، والأدوات الجديدة، والمنتجات ذات العلامات التجارية والصور والشخصيات التي تنتشر بين الأطفال.

وهكذا يدخل الاستهلاك الرمزي إلى قلب المدرسة. فالطفل لا يقارن نفسه بالآخرين في مستوى التحصيل فقط، وإنما يقارن محفظته وأدواته وملابسه وأحياناً هاتفه وما يحمله معه إلى المؤسسة. ويصبح المنتج المدرسي حاملا لمعنى اجتماعي يتجاوز وظيفته التعليمية. وهنا تبرز أهمية القراءة البورديوية التي ترى في الأشياء اليومية حوامل للرأسمال الرمزي، إذ يمكن لبعض الأدوات أن تتحول إلى علامات على المكانة الاجتماعية، وتصبح المدرسة بذلك فضاءً تعاد داخله قراءة الفوارق الطبقية من خلال تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها.

ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن ينظر إلى المكتبي أو صاحب المكتبة باعتباره المسؤول الوحيد عن ارتفاع الأسعار أو ندرة الكتب. فالمكتبة نفسها تقع داخل شبكة اقتصادية معقدة. فهناك تكاليف التوريد والتخزين، ومخاطر الكتب التي لا تباع، وتغير المقررات، وتبدل الطبعات، وتأخر التوزيع، وضيق هوامش الربح، وتراكم المخزون. وقد يجد صاحب المكتبة نفسه في وضعية متناقضة: يبحث الآباء عن كتاب معين ولا يجدونه، بينما توجد كتب أخرى في الرفوف لا تجد من يشتريها. وقد يتم تغيير كتاب أو طبعة دون أن يتمكن المكتبي من تصريف المخزون السابق، فيتحول الكتاب من مورد تجاري إلى عبء اقتصادي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى النظر إلى سوق الكتاب المدرسي باعتبارها سلسلة متكاملة تبدأ من التأليف والاعتماد ولا تنتهي عند المكتبة. فأي اختلال في إحدى حلقاتها ينعكس على الأسرة والمكتبي والتلميذ والمدرسة. وإذا كان الحديث عن وجود سوق سوداء أو شبكات للمضاربة أو ما يمكن وصفه شعبيا بـ”مافيا الكتاب” يطرح نفسه في بعض السياقات، فإن المقاربة السوسيولوجية الدقيقة ينبغي ألا تكتفي بالتوصيف الاتهامي، بل تبحث عن الشروط التي تسمح بظهور هذه الممارسات: الندرة، ضعف الشفافية، تفاوت المعلومات، الطلب الموسمي، ضيق الزمن، تعدد الوسطاء، ضعف الرقابة أو محدوديتها، وتفاوت القدرة التفاوضية بين أطراف السوق.

فالندرة في حد ذاتها ليست مجرد غياب للمنتج، وإنما يمكن أن تتحول إلى مصدر للسلطة. من يمتلك المعلومة حول مكان توفر الكتاب يمتلك قوة، ومن يملك المخزون في لحظة الطلب المرتفع يمتلك قوة، ومن يستطيع تأمين المنتج قبل الآخرين يمتلك قوة. وهنا تتحول المعرفة بالسوق إلى رأسمال اجتماعي واقتصادي، وتصبح العلاقات الشخصية إحدى آليات تدبير الدخول المدرسي.

فقد تلجأ الأسرة إلى الاتصال بصاحب مكتبة تعرفه، أو إلى أحد الأقارب أو الأصدقاء للحصول على الكتاب أو المعلومة، أو إلى البحث عن شخص يستطيع تأمين المنتج في وقت قصير. ويكشف ذلك عن ظاهرة أعمق في المجتمع: عندما لا تكون القنوات الرسمية وحدها كافية، تستعين الأسر بالرأسمال الاجتماعي لتجاوز الاختناقات. وبذلك لا يصبح نجاح الأسرة في تدبير الدخول المدرسي مرتبطاً فقط بقدرتها المالية، وإنما أيضا باتساع شبكة علاقاتها وقدرتها على الوصول إلى المعلومات.

وتظهر الفوارق الطبقية بصورة أكثر حدة عندما تضطر بعض الأسر إلى شراء الكتب واللوازم مبكرا، حتى على حساب عطلتها الصيفية. فالأسرة التي تقتني حاجيات أبنائها مباشرة بعد ظهور النتائج أو بمجرد الحصول على اللائحة لا تقوم فقط بعملية شراء، وإنما تمارس استراتيجية للوقاية من المخاطر. إنها تخشى ارتفاع الأسعار، أو نفاد بعض الكتب، أو اكتظاظ المكتبات، أو تعذر الحصول على منتج معين في الأيام الأخيرة قبل الدخول.

وبهذا يصبح الشراء المبكر شكلا من أشكال إدارة القلق. فالأسرة الميسورة تستطيع أن تحول هذا القلق إلى فعل سريع: تشتري كل شيء دفعة واحدة وتنهي الملف. أما الأسرة التي تعاني من محدودية الدخل فقد تضطر إلى التجزئة والتأجيل والمقارنة والاقتراض، وربما إلى التضحية بحاجات أخرى. وهنا يظهر التعليم باعتباره استثمارا لا تتساوى الأسر في القدرة على تمويله.

فالأسرة الغنية تمول تعليم أبنائها من فائضها، والأسرة المتوسطة تموله من دخلها الجاري، أما الأسرة الهشة فقد تموله من دينها أو من علاقاتها أو من تقليص حاجات أخرى. ومن ثم يمكن أن يتحول التعليم، من آلية لتقليص التفاوت إلى آلية لإعادة إنتاجه؛ لأن القدرة على الاستفادة من التعليم الجيد تصبح مرتبطة جزئياً بالقدرة على تحمل كلفته.

ولا تتوقف هذه التفاوتات عند الكتب واللوازم، وإنما تمتد إلى اختيار المدرسة نفسها. فالدخول المدرسي هو أيضا موسم لإعادة التسجيل والبحث عن مؤسسة تعليمية جديدة. وفي هذا السياق تتحول المدرسة الخصوصية إلى موضوع للمقارنة والاختيار، وتصبح سمعتها الاجتماعية عاملا أساسيا في قرار الأسرة.

لكن السمعة لا تبنى دائما على مؤشرات تربوية دقيقة. فكثيرا ما تنتقل المعلومات عبر الأمهات والآباء ومجموعات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت والإعلانات والعلاقات الشخصية. هذه المدرسة جيدة، تلك تهتم باللغات، هذه نتائجها مرتفعة، هذه صارمة، هذه تهتم بالأنشطة، وهذه يعرفها الجميع. وبذلك يصبح اختيار المدرسة عملية اجتماعية تقوم على تداول الانطباعات والسرديات بقدر ما تقوم على المعلومات الرسمية.

إن المدرسة هنا تتحول إلى مؤسسة ذات علامة رمزية. الأسرة لا تشتري التعليم فقط، وإنما قد تبحث عن البيئة الاجتماعية التي تراها مناسبة لطفلها، وعن المكانة التي تمنحها المؤسسة، وعن فرص النجاح المستقبلية التي تتخيلها من خلالها. ولهذا فإن المدرسة الخصوصية قد تبيع، بالإضافة إلى المعرفة، الانضباط واللغة والنتائج والصورة الاجتماعية وشبكة العلاقات والأمان الرمزي.

وفي المقابل، تواجه المدرسة العمومية تحديا لا يتعلق فقط بالبنية التحتية أو الموارد أو الاكتظاظ، وإنما يتعلق كذلك بالصورة التي تكونت حولها داخل المخيال الاجتماعي. فحين تبدأ الأسر في الاعتقاد بأن المدرسة العمومية أقل جودة من الخصوصية، يصبح هذا الاعتقاد قوة اجتماعية قائمة بذاتها، حتى عندما تكون هناك مؤسسات عمومية جيدة وتجارب ناجحة. فالتمثل الاجتماعي يمكن أن يتحول إلى واقع مؤثر في السلوك، لأن الأسرة تتخذ قراراتها بناء على ما تعتقده عن المؤسسة، وليس فقط بناء على ما تقوله المؤشرات الرسمية عنها.

وهنا يمكن الحديث عن أزمة الرأسمال الرمزي للمدرسة العمومية. فالمدرسة لا تحتاج فقط إلى التمويل والتجهيز، وإنما تحتاج إلى استعادة الثقة والمكانة والاعتراف الاجتماعي. وإذا استمر نزيف الطبقات الوسطى نحو التعليم الخصوصي، فقد يتحول التعليم تدريجيا إلى نظام أكثر انفصالا بين مسارات اجتماعية مختلفة، بحيث تصبح المؤسسة التعليمية نفسها مؤشرا على الموقع الطبقي.

ويزداد المشهد تعقيدا عندما يتزامن الدخول المدرسي مع الاستحقاقات الانتخابية. فالتعليم يصبح موضوعا للخطاب السياسي، وتصبح الأسرة، وهي تعيش الكلفة الفعلية للتعليم، أكثر قدرة على مقارنة الخطاب السياسي بالتجربة اليومية. فالأسرة لا تختبر السياسة التعليمية فقط من خلال الأرقام والمؤشرات، وإنما من خلال سؤال بسيط: كم كلفني تعليم أبنائي هذا العام؟ وهل أشعر أن الدولة والمؤسسة والسوق تجعل هذا التعليم أكثر يسراً أم أكثر كلفة؟

إن التعليم في هذه الحالة يصبح موضوعا سياسيا بقدر ما هو موضوع تربوي. وتظهر الفجوة بين الخطاب العمومي الذي يتحدث عن الإصلاح والجودة وتكافؤ الفرص، وبين التجربة اليومية التي قد تعيشها الأسرة في المكتبة أو أمام مؤسسة التعليم الخصوصي أو أثناء البحث عن مقعد في مؤسسة للتكوين أو التعليم العالي.

وهذا يقود إلى مستوى آخر من التحليل يتعلق بما بعد البكالوريا. فالأزمة لا تنتهي مع نهاية التعليم المدرسي؛ بل تنتقل إلى التعليم العالي والتكوينات المختلفة. عند هذه المرحلة تدخل الأسرة في سباق جديد من أجل المعلومات والمقاعد والتخصصات والمؤسسات. وتصبح الأسئلة أكثر حدة: أي مؤسسة؟ أي تخصص؟ ما فرص الشغل؟ ما قيمة الشهادة؟ ما شروط الولوج؟ ما تكلفة الدراسة؟ هل يحتاج الطالب إلى السكن؟ وهل المؤسسة عمومية أم خصوصية؟

وفي هذه المرحلة تظهر مرة أخرى أهمية الرأسمال الاجتماعي والمعلوماتي. فالأسرة التي تمتلك شخصاً سبق أن مر من المؤسسة نفسها، أو تعرف مسارات الولوج، أو تستطيع الحصول على المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، تكون في موقع أفضل من الأسرة التي تبدأ البحث من الصفر. وبالتالي فإن اللامساواة التعليمية ليست دائماً لامساواة في المال؛ إنها أيضا لامساواة في المعلومة وفي القدرة على تحويلها إلى قرار.

وتزداد هذه المسألة وضوحا في التكوينات ذات المكانة الاجتماعية المرتفعة، وفي مقدمتها الطب وبعض المسارات الانتقائية. فهذه التكوينات لا تمثل مجرد تخصصات علمية، وإنما تحمل رأسمالا رمزيا واجتماعيا كبيرا، ولذلك تصبح المنافسة عليها شديدة، ويصبح الولوج إليها جزءا من استراتيجية الأسرة للمستقبل. وعندما تظهر اختلالات أو تجاوزات أو شبهات عدم تكافؤ في الولوج، فإن الأمر لا يمس المؤسسة وحدها، وإنما يمس الثقة في العدالة التعليمية وفي مبدأ تكافؤ الفرص.

إن المجتمع الذي يجعل الشهادة التعليمية أداة أساسية للترقي الاجتماعي يحتاج إلى أن يضمن عدالة شروط الوصول إليها. فليس كافيا أن نقول إن الجميع يستطيع التقدم؛ ينبغي أن نسأل: هل الجميع يمتلك المعلومات نفسها؟ والموارد نفسها؟ والدعم نفسه؟ والقدرة نفسها على تحمل كلفة الإعداد؟ وهل الجميع قادر على المنافسة بالشروط نفسها؟

ومن هذه الزاوية، يكشف الدخول المدرسي عن بنية اجتماعية كاملة تتحرك وراء واجهة المدرسة. فالمدرسة تحدد حاجات معينة، والسوق يوفرها، والأسرة تمولها، والإعلان يصنع الرغبة، ووسائل التواصل تنتج السمعة، والعلاقات تسهل الوصول، والسياسة تنتج خطاب الإصلاح، والتعليم الخصوصي يقدم نفسه بديلا، والتعليم العالي يعيد إنتاج المنافسة على المستقبل.

إننا أمام حقل تعليمي متعدد الفاعلين والمصالح، بالمعنى الذي يسمح باستدعاء المنظور البورديوي لفهم الصراع حول الرأسمال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، والمنظور الفوكوي لفهم أشكال السلطة التي تعمل عبر اللوائح والمعايير والاختبارات والتسجيل والانضباط، والتفاعلية الرمزية لفهم كيفية تشكل صورة المدرسة والكتاب والتلميذ من خلال التفاعلات اليومية، والنظرية النقدية لفهم العلاقة بين التعليم والسوق والسلطة وإعادة إنتاج التفاوتات.

وفي هذا الحقل لا تكون الأسرة مجرد متلق للسياسة التعليمية، بل تصبح فاعلا يمارس استراتيجيات متعددة: الشراء المبكر، المقارنة، التفاوض، الاقتراض، إعادة الاستخدام، البحث عن البديل، تبادل الكتب، الاعتماد على العلاقات، أو حتى الانتقال من مؤسسة إلى أخرى. وهذه كلها أشكال من الممانعة اليومية، لا بمعنى الاحتجاج السياسي المباشر، وإنما بمعنى محاولات إعادة امتلاك جزء من القدرة على التحكم في شروط التعليم.

غير أن هذه الممانعات ليست متساوية. فالأسرة الغنية تستطيع مقاومة غلاء الأسعار بشراء المطلوب، والأسرة المتوسطة تستطيع التفاوض والمقارنة، والأسرة الهشة قد لا تملك سوى تقليص الاستهلاك أو الاقتراض أو قبول الخيارات المفروضة. ولذلك فإن حتى القدرة على المقاومة تخضع بدورها للتراتب الطبقي.

ومن هنا يمكن فهم الدخول المدرسي بوصفه لحظة لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية. فالأطفال يدخلون المدرسة في اليوم نفسه تقريبا، لكنهم لا يدخلونها بالشروط نفسها. أحدهم يحمل كتبا جديدة كاملة، وآخر يستعمل كتبا مستعملة، وثالث لم يحصل بعد على بعض اللوازم، ورابع يدرس في مؤسسة خصوصية، وخامس في مدرسة عمومية، وسادس قد يحتاج إلى النقل والدعم خارج المؤسسة، بينما يملك آخر بيئة أسرية قادرة على توفير الدعم الثقافي والمعرفي له. إن المساواة في الولوج لا تعني بالضرورة المساواة في شروط التعلم.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي للدخول المدرسي ينبغي ألا يقتصر على ضبط الرزنامة الزمنية أو تنظيم التسجيل، وإنما ينبغي أن يشمل اقتصاد التعليم نفسه. فالكتاب المدرسي يحتاج إلى منظومة شفافة للتأليف والاعتماد والطباعة والتوزيع والتسعير. واللوازم تحتاج إلى عقلنة تمنع تحويل المدرسة إلى مناسبة للاستهلاك المفرط. والكتب الأجنبية تحتاج إلى مبررات تربوية واضحة وآليات تضمن توفرها وعدالة الوصول إليها. والمدرسة العمومية تحتاج إلى استعادة قوتها المادية والرمزية. والتعليم الخصوصي يحتاج إلى علاقة أكثر شفافية مع الأسر. والتعليم العالي يحتاج إلى تعزيز عدالة الولوج. والتكوينات الانتقائية تحتاج إلى وضوح أكبر في معايير الاختيار.

كما أن المستقبل يقتضي التفكير في اقتصاد دائري للمدرسة يعيد الاعتبار للكتاب المستعمل، وتبادل الكتب بين الأسر، وبنوك الكتب داخل المؤسسات، وإعادة استعمال الأدوات والمحافظ، وتوفير منصات رسمية للمعلومات حول المقررات والكتب والأسعار، بما يقلل من الفجوة المعلوماتية بين الأسرة والسوق.

وينبغي كذلك إعادة النظر في فكرة أن كل دخول مدرسي يجب أن يبدأ بالشراء من الصفر. فهناك فرق بين حاجة الطفل التعليمية وبين الرغبة الاستهلاكية التي تصنعها السوق. وإذا كانت بعض الأدوات لا تزال صالحة، فإن إعادة استعمالها ليست علامة على الفقر أو النقص، وإنما يمكن أن تصبح سلوكا تربويا وبيئيا واقتصاديا، يربي الطفل على الاستدامة وعلى التمييز بين الحاجة والرغبة.

السؤال السوسيولوجي الأكبر الذي يطرحه الدخول المدرسي ليس: كم يبلغ ثمن المحفظة والكتاب والدفتر؟ وإنما: ماذا تكشف هذه الأسعار والاختيارات والعلاقات عن طبيعة المجتمع الذي تنتج فيه؟

إنها تكشف مجتمعا يضع التعليم في مركز طموحه للترقي، لكنه يواجه في الوقت نفسه سوقا تعليمية متنامية، وفوارق في القدرة على الإنفاق، وتفاوتا في الرأسمال الاجتماعي والمعلوماتي، وصراعا على المكانة بين العمومي والخصوصي، واعتمادا متفاوتا على السوق والعلاقات، وقلقا متزايدا حول المستقبل.

ومن ثم فالدخول المدرسي ليس مجرد عودة إلى المدرسة؛ إنه طقس اجتماعي سنوي يعيد المجتمع من خلاله تعريف علاقته بالمعرفة والسلطة والسوق والمستقبل. ففيه تختبر قدرة الأسرة على التضحية، وقدرة المدرسة على التنظيم، وقدرة الدولة على الضبط، وقدرة السوق على الاستجابة، وقدرة المجتمع على إنتاج بدائل عادلة.

والمدرسة في النهاية ليست جدرانا وأقساما وكتبا فقط؛ إنها مؤسسة لإنتاج المستقبل. وإذا كان هذا المستقبل يبدأ كل سنة بقلق الأسرة أمام لائحة الكتب والأسعار، وبالبحث عن كتاب نادر، وبالوقوف أمام مكتبة، وبمقارنة مدرسة بأخرى، وبالتفكير في الاقتراض، فإن هذه التفاصيل الصغيرة تصبح ذات دلالة كبرى في فهم التحولات البنيوية التي يعيشها المجتمع المغربي.

إن الدخول المدرسي هو إذن لحظة تتقاطع فيها التربية والاقتصاد والطبقة والثقافة والسياسة والسوق والسلطة؛ وهو مرآة تكشف مقدار المسافة بين التعليم باعتباره حقا اجتماعيا، والتعليم باعتباره كلفة تتحملها الأسر، وبين المدرسة باعتبارها فضاءً عموميا لإنتاج المساواة، والمدرسة باعتبارها مجالا يمكن أن يعيد إنتاج الفوارق.

ولذلك فإن بناء مدرسة أكثر عدالة لا يقتضي فقط تحسين ما يحدث داخل القسم، وإنما يستوجب أيضا إعادة النظر في كل ما يحدث قبل أن يدخل التلميذ إلى القسم: من الكتاب إلى المكتبة، ومن السعر إلى الإعلان، ومن التسجيل إلى اختيار المؤسسة، ومن الرأسمال الاقتصادي إلى الرأسمال الاجتماعي، ومن المدرسة العمومية إلى الخصوصية، ومن البكالوريا إلى الجامعة والتكوين، ومن خطاب الإصلاح إلى التجربة اليومية للأسرة.

ففي تلك المسافة بين اللائحة المدرسية وسلة المشتريات، وبين الرغبة في التعلم والقدرة على تمويله، وبين الحق في التعليم وسوق التعليم، وبين المدرسة التي نريدها والمدرسة التي يعيشها المواطن فعليا، تتشكل إحدى أكثر اللحظات دلالة على التحول الاجتماعي المغربي المعاصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.