الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

إدماج CNOPS في CNSS بين منطق التوحيد الإداري ورهانات العدالة الاجتماعية

الرباط|يعد مشروع إدماج الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS) ضمن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) أحد أبرز التحولات البنيوية التي تشهدها منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب في سياق تنزيل القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية. ويقدم هذا المشروع رسميا بوصفه آلية لتجاوز تشتت أنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتحقيق الانسجام والنجاعة في التدبير، وضمان الاستدامة المالية. غير أن المقاربة السوسيولوجية لهذا الإصلاح تكشف أن الرهان يتجاوز البعد التقني والتنظيمي ليطال أسس الدولة الاجتماعية، وأنماط الحكامة، وحدود العدالة في توزيع الحماية الصحية.

التوحيد المؤسسي وحدود المقاربة التقنية

ينطلق مشروع الدمج من فرضية مفادها أن تعددية الهيئات المسيرة تشكل مصدرا أساسيا للاختلالات، وأن التوحيد التنظيمي كفيل بتجاوزها. غير أن هذا الافتراض يغفل الطابع الاجتماعي والرمزي للأنظمة الصحية. فـCNOPS وCNSS لا يمثلان مجرد بنيتين إداريتين متشابهتين، بل يجسدان تاريخيًا نظامين اجتماعيين مختلفين من حيث الفئات المستفيدة، وأنماط الشغل، وانتظارات المؤمنين، ومحددات العلاقة بالدولة. فالصندوق الأول ارتبط بالوظيفة العمومية والاستقرار المهني وبحماية اجتماعية تُدرك بوصفها امتدادًا للضمانة القانونية للدولة، في حين نشأ الصندوق الثاني في سياق سوق شغل يتسم بالهشاشة والتقلب، حيث تُؤطر الحماية الصحية بمنطق الحد الأدنى والتوازن المالي. ومن ثم، فإن إدماج هذين النظامين دون معالجة الفوارق البنيوية التي تحكمهما قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته “توحيدا شكليا”، لا يفضي بالضرورة إلى تقليص اللامساواة، بل قد يُعيد إنتاجها في صيغ جديدة.

الحكامة الاجتماعية وإشكالية الشرعية

من منظور سوسيولوجيا السياسات العمومية، لا تقاس فعالية الإصلاحات فقط بنتائجها التقنية، بل بمدى مشروعيتها الاجتماعية. ويبرز في هذا السياق عدد من المؤشرات الدالة على هشاشة مسار الحكامة المرتبط بالمشروع، من بينها محدودية النقاش العمومي حول مضامينه، ورفض إدخال تعديلات برلمانية عليه، وغياب آجال واضحة لإصدار النصوص التنظيمية المكملة.

إن هذا المسار يعكس هيمنة منطق القرار العمودي على حساب المقاربة التشاركية، ويُنتج حالة من اللايقين القانوني والمؤسساتي، تُضعف ثقة الفاعلين الاجتماعيين في الإصلاح، وتُحول الحماية الاجتماعية من حق مضمون إلى مجال تفاوضي غير مستقر. ووفق المنظور الفيبري، فإن غياب الوضوح القاعدي والتنظيمي يقوض العقلانية القانونية التي تشكل أحد مرتكزات الدولة الحديثة.

بين المساواة الشكلية والعدالة الصحية

يرتكز الخطاب الرسمي المصاحب للمشروع على فكرة توحيد قواعد الاستفادة والتعويض بوصفها مدخلا لتحقيق العدالة. غير أن التحليل السوسيولوجي يميز بوضوح بين المساواة الشكلية والعدالة الاجتماعية. فالأخيرة تقتضي مراعاة التفاوتات الفعلية في الحاجيات الصحية، وفي القدرة على الولوج إلى العلاج، وفي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمؤمنين. إن توحيد الأنظمة دون إرساء آليات تصحيحية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة والعلاجات طويلة الأمد، قد يؤدي إلى تراجع فعلي في مستوى الحماية، وإلى تحويل منطق العدالة إلى مجرد توحيد حسابي للحقوق والواجبات، لا يأخذ بعين الاعتبار الشروط الاجتماعية لإنتاج المرض والعلاج.

المخاطر البنيوية للدمج

يطرح مشروع الإدماج جملة من المخاطر البنيوية التي لا يمكن اختزالها في الجدل السياسي الظرفي. فعلى المستوى المالي، لا يشكل عجز CNOPS مسألة تقنية معزولة، بل هو تعبير عن اختلالات أعمق في نمط تمويل الحماية الاجتماعية، وفي العلاقة بين الأجور، والاشتراكات، وكلفة العلاج. وترحيل هذا العجز إلى CNSS دون إصلاح هيكلي شامل قد يُضعف استدامته المالية ويهدد توازن النظام ككل. أما على المستوى التنظيمي، فإن تحميل CNSS عبء تدبير عدد متزايد من المؤمنين والملفات دون تعزيز كافٍ للموارد البشرية والتقنية قد يؤدي إلى اختناق بيروقراطي، ينعكس مباشرة على آجال معالجة الملفات وجودة الخدمات. ويضاف إلى ذلك البعد الرمزي للإصلاح، إذ تمثل الحماية الصحية أحد أهم تجليات العقد الاجتماعي، وأي تراجع محسوس أو متخيل في مستواها قد يفسر بوصفه تراجعا في التزام الدولة تجاه فئات اجتماعية معينة.

آفاق استشرافية

يتوقف مآل إدماج CNOPS في CNSS على الخيارات السياسية والتنظيمية المصاحبة له. ففي حال تم اعتماد مقاربة تدريجية قائمة على التقييم المستقل، والتشاور مع الفاعلين الاجتماعيين، والاستثمار في الحكامة والموارد، يمكن للدمج أن يشكل مدخلا لإعادة بناء منظومة حماية صحية أكثر انسجاما وعدالة. أما إذا اقتصر الإصلاح على التوحيد الإداري دون معالجة الشروط الاجتماعية والاقتصادية المنتجة للاختلال، فإنه قد يتحول إلى مصدر جديد للتوترات الاجتماعية، وتآكل الثقة في الدولة الاجتماعية.

إن إدماج CNOPS في CNSS ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو لحظة مفصلية لاختبار قدرة الدولة على الانتقال من منطق التدبير التقني إلى منطق السياسة الاجتماعية المبنية على العدالة والمعرفة والتشاركية. فنجاح الإصلاح رهين بمدى قدرته على إعادة تعريف الحماية الصحية بوصفها حقا اجتماعيا، لا مجرد آلية لتوازن الحسابات، وعلى تعزيز دور الدولة كفاعل ضامن للتماسك الاجتماعي، لا كمدبر إداري محايد.

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.