التفوق الرمزي والشماتة الجماعية:سوسيولوجيا متلازمة بلعمان الطويلة بعد نهائي كأس إفريقيا
الرباط|يمكن فهم التفريغ الجماعي للحقد الاجتماعي الذي ظل مكبوتا تجاه المغاربة، وبرز بحدة عقب نهائي كأس إفريقيا لكرة القدم، بوصفه ردة فعل اجتماعية نمطية ترافق لحظات بروز التميز داخل ما يسميه بيير بورديو بـالحقول الرمزية التنافسية. ففي هذه الحقول، لا يقاس الصراع فقط بالنتائج المادية المباشرة، بل أساسا بما يترتب عنها من إعادة توزيع للرأسمال الرمزي، أي الاعتراف، الشرعية، والمكانة داخل المخيال الجماعي.
لقد وجد المغرب نفسه، خلال السنوات الأخيرة، في موقع يمكن توصيفه بـ”الاستثناء النسبي” داخل الفضاء الإفريقي، بفعل تراكم إنجازات تنظيمية ودبلوماسية ورياضية، جعلته يحظى بدرجة من الظهور والاعتراف تفوق المتوسط السائد. هذا الاستثناء، حتى وإن ظل جزئيا وغير مكتمل من حيث العمق التنموي البنيوي، يكفي سوسيولوجيا لإثارة آليات دفاعية جماعية لدى فاعلين أو جماعات ترى في تفوق الآخر تهديدا مباشرا لتمثلاتها الذاتية ولمكانتها المتخيلة داخل التراتبية الإقليمية.
من هذا المنظور، لا يفهم الحقد الاجتماعي باعتباره انفعالا أخلاقيا معزولا أو سلوكا شاذا، بل كنتاج لما يسميه علم الاجتماع بـالإحباط المقارن؛ أي إدراك جماعي للفجوة بين ما يعتقد الفاعل أنه يستحقه رمزيا وما يراه متجسدا في نجاح الآخر. حينها يتحول التميز إلى مصدر استفزاز، لا لأنه غير مشروع، بل لأنه يكشف قصورا بنيويا لم تتم معالجته داخليا.
وتزداد حدة هذه الآليات في السياقات التي تتداخل فيها المنافسة الرياضية مع رهانات الهوية والتمثيل الجماعي، حيث يصبح الحدث الرياضي مجرد وسيط لتفريغ توترات أعمق مرتبطة بتاريخ من المقارنات، والإخفاقات، والشعور بعدم الاعتراف. في هذه الحالات، لا يهاجم الأداء أو النتيجة في حد ذاتها، بل الرمزية التي يحملها التفوق وما يترتب عنه من اختلال في ميزان الاعتراف داخل الحقل.
إن ما حدث عقب نهائي كأس إفريقيا يمكن قراءته، إذن، ضمن منطق الصراع الرمزي أكثر من كونه تعبيرا عن موقف رياضي عابر. فالتفريغ الجماعي للحقد لا يعكس قوة الخصم بقدر ما يعكس هشاشة الذات التي ترى في نجاح الآخر مرآة مؤلمة لحدودها الخاصة. وهنا تتجلى إحدى المفارقات السوسيولوجية الكبرى: فكلما كان التميز نسبيًا ومحدودا، زادت قابلية تأويله كتهديد وجودي.
بناء على ذلك، فإن هذا السلوك لا يعبر عن تقييم عقلاني للواقع، بقدر ما يكشف عن توتر بين الرغبة في المساواة الرمزية والخوف من الاختلاف الصاعد. وهو توتر بنيوي يتكرر تاريخيا كلما برز فاعل جديد داخل حقل تنافسي مغلق نسبيا، وفرض نفسه باعتراف لم يكن متوقعا أو مرغوبا فيه.
بهذا المعنى، لا يشكل ما وقع استثناء في التاريخ الاجتماعي للرياضة أو للعلاقات بين المجتمعات، بل يمثل حالة نموذجية لكيفية تحول التميز النسبي إلى موضوع صراع رمزي، وكيف يعاد توجيه الإحباطات البنيوية في شكل حقد اجتماعي، حين تعجز الجماعات عن تحويل إخفاقاتها الداخلية إلى مشاريع إصلاح ذاتي، فتختار بدلا من ذلك مهاجمة من نجح في كسر السقف غير المعلن للتفوق المقبول.
صحيح أن هذا التميز لا يزال جزئيا ولا يرقى إلى المستوى البنيوي الذي يستحقه المغاربة، ولا إلى الطموح التاريخي الذي يتطلب مسارا تنمويا طويل النفس قائمًا على التحول العميق في البنيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. غير أن علم الاجتماع يبين أن مجرد الخروج عن متوسط الأداء داخل أي حقل تنافسي كفيل بإنتاج ردود فعل عدائية، حتى في غياب تفوق شامل أو نهائي. فالاستثناء، مهما كان محدودا، يزعزع منطق الترتيب الرمزي القائم، ويكشف هشاشة التوازنات التي اعتادت عليها الجماعات الأخرى.
في هذا الإطار، يمكن استحضار ما يمكن تسميته، مجازا، بـ”متلازمة بلعمان الطويلة”، في إحالة رمزية إلى حقل زهرة بلعمان حيث تتساوى النباتات في الطول حفاظًا على الانسجام الشكلي والجمالية البصرية. غير أن ظهور نبتة أطول من أخواتها لا يستقبل باعتباره مؤشرا على حيوية الحقل أو تنوع شروط النمو داخله، بل يُنظر إليه كاختلال ينبغي تصحيحه. فتجزّ الزهرة لا لأنها معطوبة أو شاذة، بل لأنها أخلت بمنطق التماثل القسري الذي يقدّم على أنه شرط للتوازن.
هذا المجاز يسمح بفهم آلية اجتماعية أعمق: معاقبة التميز حين يخرج عن السقف غير المعلن للتفوق المقبول. فالزهرات القصيرات لا تطالب بتحسين شروط نموها ولا بإعادة النظر في توزيع الموارد، بل تسعى إلى خفض من تجاوزها، حفاظا على مساواة شكلية تقوم على تسوية الجميع نحو المتوسط. وهكذا يتحول التفوق النسبي إلى مصدر توتر، ويعاد تأويله بوصفه تهديدا لا فرصة، وانحرافا لا دافعا للتنافس الإيجابي.
سوسيولوجيا، تعكس “متلازمة بلعمان الطويلة” منطقا دفاعيا جماعيا يفعّل كلما عجزت الجماعات عن تحويل الإحباط البنيوي إلى مشروع إصلاح ذاتي. ففي غياب القدرة على الارتقاء الجماعي، يصبح كبح من ينجح في الارتقاء الفردي أو النسبي هو الاستراتيجية الأسهل للحفاظ على وهم التوازن. ومن ثم، لا يكون جزّ “الزهرة الطويلة” فعلا محايدا، بل ممارسة رمزية تعيد إنتاج الرداءة بوصفها معيارا جماعيا، وتفرغ التميز من محتواه الإيجابي، محولة إياه إلى ذنب اجتماعي.
يختزل هذا المجاز منطقا اجتماعيا بالغ العمق: رفض التميز حين لا يكون جماعيا، ومعاقبة الاختلاف عندما يتحول إلى تفوق ملموس. ففي السياقات التي يسود فيها منطق التسوية القسرية، لا ينظر إلى النجاح بوصفه إمكانية مفتوحة للجميع، بل يستقبل باعتباره تهديدا للنظام الرمزي القائم. فالزهرات القصيرات لا تحول وعيها إلى مساءلة شروط النمو أو إلى المطالبة بإعادة توزيع الموارد والفرص، بل تختار الاستراتيجية الأسهل والأقل كلفة رمزيا، وهي خفض من تجاوزها بدل الارتقاء بذاتها.
هنا يتحول القصور البنيوي إلى حقد اجتماعي مشروع ذاتيا، لا يفهم باعتباره عجزا داخليا، بل يعاد تأطيره كرفض أخلاقي لتفوق الآخر. ويغدو النجاح استفزازا، لا لأنه غير عادل في جوهره، بل لأنه يكشف تفاوتات لم تُحل، ويضع الجماعة أمام مرآة قصورها التاريخي. أما التقدم، فينزع عنه بعده الإيجابي، ويعاد تعريفه بوصفه ذنبا رمزيا يستوجب العقاب، لا عبر آليات مادية مباشرة، بل من خلال أدوات رمزية أكثر شيوعا وفعالية.
تتمثل هذه الأدوات في الشماتة، وخطاب الكراهية، والتشكيك الأخلاقي في شرعية النجاح أو في نوايا صاحبه، وهي ممارسات تنتج ما يسميه علم الاجتماع عنفا رمزيا يهدف إلى تقويض الرأسمال المعنوي للمتفوق، وإعادته قسرًا إلى مستوى “المقبول” جماعيا. وبهذا المعنى، لا يكون استهداف التميز تعبيرا عن قوة الجماعة، بل عن هشاشتها، إذ تعجز عن تحويل الفارق إلى حافز تنافسي إيجابي، فتستعيض عن ذلك بإعادة إنتاج منطق الرداءة بوصفه معيارا للاستقرار الرمزي.
في هذا السياق، يغدو عدم الاكتراث بهذه الانفعالات موقفا عقلانيا واستراتيجيا، لأن ما يحركها لا يقوم على تقييم موضوعي للواقع أو على تحليل رصين لموازين القوة والإنجاز، بل على منطق المقارنة الإحباطية التي تنتجها فجوة الإدراك بين ما يتصوره الفاعل عن ذاته وما يراه متجسدا في صعود الآخر. فالتقدم هنا لا يقرأ بوصفه نتيجة مسار تراكمي أو استثمار طويل الأمد، بل يختزل في كونه تهديدا مباشرا للهوية والمكانة، بما يستدعي ردود فعل دفاعية تتخذ شكل الرفض أو التشكيك أو العدوان الرمزي.
من منظور سوسيولوجي، لا تكون هذه الانفعالات معنية بالحقيقة بقدر ما هي معنية بحماية التراتبية الرمزية القائمة. فهي لا تسائل شروط التفوق ولا آلياته، بل تسعى إلى إبطال أثره الرمزي عبر تحييده أو التقليل من قيمته. ومن ثم، فإن الانخراط في هذا النوع من السجالات لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المنطق ذاته الذي يسعى إلى كبح التميز، بينما يظل التجاهل الواعي فعلا مقاوما للعنف الرمزي، لأنه يرفض الاعتراف بشرعية المقارنة المختلة من أساسها.
وهنا يطرح السؤال السوسيولوجي الجوهري نفسه: لصالح من يكبح هذا “الطول”؟ أهو لصالح توازن شكلي زائف يقوم على تماثل سطحي يخفي تفاوتات بنيوية عميقة، أم لصالح استدامة الرداءة بوصفها معيارا جماعيا للاستقرار، تقاس فيه القيمة بمدى عدم تجاوز السقف غير المعلن للتفوق المقبول؟
إن هذا السؤال لا يستهدف التميز في حد ذاته، بقدر ما يكشف عن طبيعة الأنظمة الرمزية التي تفضل الانسجام الظاهري على التطور الفعلي، وتختار خفض السقف بدل توسيع الأفق. وبهذا المعنى، فإن كبح “الطول” لا يخدم الجماعة بقدر ما يحمي وضعا قائما يعيد إنتاج العجز، ويحول دون تحويل الفارق إلى دينامية تنافسية منتجة.
من جهة أخرى، يكشف ما رافق نهائي كأس إفريقيا من انزلاقات لفظية وخطابات كراهية عن هشاشة نسبية في تدبير العاطفة الجماعية لدى المغاربة أنفسهم، خاصة في السياقات التي تتداخل فيها المنافسة الرياضية مع رهانات الهوية والتمثيل الرمزي. فالمغاربة، بوصفهم جماعة عالية الحساسية الوجدانية، لم ينجحوا دائما في ترشيد الانفعال الجماعي أو في تحويل العاطفة إلى مورد إيجابي يعزز التماسك الاجتماعي، سواء في لحظات الانتصار أو في لحظات الإحباط.
غير أن هذه الهشاشة الظرفية لا يمكن، سوسيولوجيا، أن تختزل في توصيفات جوهرانية تسقط المجتمع المغربي دفعة واحدة في خانة العنصرية أو الغوغائية. فمثل هذا الحكم يقوم على خلط بين السلوك العابر والبنية القيمية العميقة، ويتجاهل أن الانفعالات الجماعية، حين تستثار في لحظات توتر رمزي مرتفع، لا تعكس بالضرورة النسق القيمي المستقر، بل تعبر عن اختلال مؤقت في آليات الضبط الاجتماعي.
إن الهوية الجماعية المغربية مؤسسة تاريخيا على رصيد مركب من القيم الإنسانية والدينية والتربوية والاجتماعية، تشكل عبر مسار طويل من التعايش والتعدد والتفاعل الثقافي. وما يظهر في لحظات الأزمة ليس انهيارا لهذه القيم، بل تعليقا مؤقتا لبعض آليات الضبط تحت ضغط الانفعال، سرعان ما يعاد احتواؤه داخل النسق العام.
من هذا المنظور، فإن تعميم سلوكيات محدودة أو خطابات هامشية على مجتمع بأكمله يعكس بدوره شكلا من العنف الرمزي المضاد، إذ يحوّل الانحراف الظرفي إلى هوية ثابتة، ويغفل الفروق بين الفاعلين والسياقات ومستويات المسؤولية. وعليه، فإن القراءة السوسيولوجية الرصينة تقتضي التمييز بين نقد الممارسات المدانة أخلاقيا، وبين الانزلاق إلى أحكام اختزالية تفرغ التحليل من بعده العلمي، وتسهم، عن غير قصد، في إعادة إنتاج خطاب الوصم الذي يفترض تفكيكه.
فخطاب الكراهية، مهما كان مصدره أو مبرراته الظرفية، لا يمت إلى “تمغربيت” بصلة، لا من حيث مرجعيتها القيمية ولا من حيث تصورها للعلاقة مع الآخر. كما أنه لا يخدم، بأي حال من الأحوال، المصالح الاستراتيجية للمغرب على المدى المتوسط أو البعيد، سواء في بعدها الدبلوماسي أو الاقتصادي أو الرمزي. ذلك أن خطاب الإقصاء والعنصرية لا يضعف فقط صورة الدولة داخل محيطها الإقليمي، بل يقوض أيضا الرأسمال الرمزي الذي راكمه المغرب تاريخيا باعتباره فاعلا يتبنى منطق التعاون جنوب–جنوب والانفتاح الثقافي.
بل أكثر من ذلك، يكشف الاستحضار التاريخي القريب والبعيد أن القوى الاستعمارية نفسها، التي تعد من أكثر الكيانات عنصرية في التاريخ الحديث، لم تبنِ تفوقها إلا على استغلال الأفارقة ماديا ورمزيا. فقد شُيّدت اقتصاداتها على أكتاف اليد العاملة الإفريقية، واستثمرت موارد القارة لعقود طويلة دون مقابل تنموي عادل، ولا تزال آثار هذا الاستغلال قائمة إلى اليوم من خلال آليات السيطرة غير المباشرة.
ويتجلى ذلك بوضوح في استمرار تحكم هذه القوى في العملات والأنظمة المالية لعدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وفي شبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي التي تعيد إنتاج التبعية بأشكال جديدة، في الوقت الذي تتسابق فيه الدول نفسها مع المغرب على الاستثمار وبسط النفوذ داخل القارة. غير أن هذا التنافس لا يقوم على منطق القطيعة أو الإقصاء، بل على إعادة ترتيب مواقع القوة داخل حقل إفريقي يشهد تحولات عميقة.
من هذا المنظور، فإن الانجرار وراء خطاب كراهية موجّه نحو إفريقيا أو الأفارقة لا يشكل فقط انحرافا أخلاقيا، بل يمثل سقوطا في فخ تاريخي يخدم، بشكل غير مباشر، مصالح القوى التي راكمت نفوذها عبر تقسيم القارة وإذكاء الصراعات الهوياتية داخلها. أما الرهان المغربي الحقيقي، كما يظهر في مساره الدبلوماسي خلال العقود الأخيرة، فيقوم على بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد، تعيد الاعتبار لإفريقيا بوصفها فضاء للتكامل لا ساحة للتناحر الرمزي.
إن إسقاط ما راكمته الدبلوماسية المغربية من إنجازات ممتدة عبر عقود داخل القارة الإفريقية، أو المساس بالمصالح المغربية في دول الجنوب، تحت ضغط انفعالات ظرفية أو ردود فعل عاطفية غير محسوبة، يعد سقوطا في منطق الذاكرة القصيرة وسوء تقدير واضح للعواقب الاستراتيجية. فالعلاقات الدولية، بخلاف الانفعالات الجماعية، لا تدار بمنطق اللحظة، بل بمنطق التراكم، والاستمرارية، وحسن قراءة موازين القوة والتحولات الجيوسياسية.
وإذا كان المغرب قد وجد نفسه، في هذا المشهد الرمزي، في موقع ما يمكن تسميته بـ”بلعمان الطويل”، فإن ذلك لا يختزل في نتيجة رياضية عابرة أو في لحظة احتفال أو إخفاق، بل يرتبط أساسا بعمق تاريخي متجذر، ورأسمال رمزي راكمه عبر مسار طويل من الحضور المتوازن داخل إفريقيا، إضافة إلى حكمة سياسية ورزانة مؤسساتية في تدبير الاختلافات والرهانات الحساسة.
وقد تجلت هذه العناصر بوضوح في التعامل الرسمي مع نهائي كأس إفريقيا، الذي اتسم بالأناقة الدبلوماسية، وضبط النفس، وتغليب منطق الدولة على منطق الانفعال. وهو تعامل لم يكن مجرد بروتوكول شكلي، بل تعبير عن وعي عميق بأن القوة الحقيقية لا تقاس بحدة الردود، بل بقدرة الفاعل على التحكم في إيقاع الفعل ورد الفعل داخل الحقول الرمزية المتوترة.
من هذا المنظور، فإن الرزانة في التدبير الرسمي لا تعكس ضعفا أو تراجعا، بل تمثل شكلا من أشكال القوة الناعمة التي تتيح للمغرب الحفاظ على موقعه داخل القارة، وتعزيز صورته كفاعل موثوق، قادر على الفصل بين المنافسة الرياضية والمصالح الاستراتيجية طويلة الأمد. وهكذا، يصبح “الطول” هنا ليس امتيازا ظرفيا، بل نتاجا لتراكم تاريخي وسياسي يفرض منطق الحكمة بدل منطق الانفعال.
إن الدرس السوسيولوجي الأعمق مما حدث يتمثل في أن هذه الكأس، بوصفها رمزا رياضيا، لا تشكل جوهر الرهان المغربي، لا في المدى القريب ولا في الأفق الاستراتيجي البعيد. فالرهانات الحقيقية للمغرب لا تختزل في انتصارات ظرفية أو اعترافات لحظية داخل الحقول الرياضية، بل تكمن أساسا في مسارات التنمية المستدامة، والاستقرار الاجتماعي، وإعادة التموقع الاستراتيجي داخل الفضاءين الإفريقي والدولي. ومن ثم، فإن اختزال القيمة الوطنية في نتيجة رياضية يعكس سوء فهم لطبيعة الرأسمال الذي تراكمه الدول الحديثة، والذي يقوم على العمق المؤسساتي والقدرة على الفعل طويل النفس.
في هذا السياق، يغدو تفريغ الغضب نحو أفارقة جنوب الصحراء ممارسة لا تخدم إلا منطق الفتنة وتفكيك الروابط الرمزية والتاريخية داخل القارة. فهذه الانفعالات لا تنتج تضامنا ولا تحمي مصالح، بل تُعيد إحياء انقسامات هوياتية هشة لطالما استخدمت تاريخيًا كأداة للهيمنة والتفتيت. وقد أظهرت أحداث “الكان” بوضوح كيف يمكن لتوتر رياضي عابر أن يتحول، بفعل الاستثمار الإعلامي والسياسي غير المسؤول، إلى مادة لتأجيج صراعات وهويات قاتلة.
سوسيولوجيا، لا تقرأ هذه الظاهرة باعتبارها انحرافا أخلاقيا فرديا، بل كنتاج لسياقات أوسع يتم فيها تحويل المنافسة الرياضية إلى مسرح لإعادة إنتاج الصراعات الرمزية التي تتجاوز الرياضة ذاتها. وفي هذا المعنى، فإن استهداف “الآخر الإفريقي” لا يعكس قوة ذاتية أو ثقة جماعية، بل يكشف عن هشاشة في تدبير الاختلاف وعن قابلية عالية للاختراق الرمزي.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الانتصار داخل الملعب، بل في القدرة على تحييد الرياضة عن الصراعات الهوياتية، وإعادة إدراجها ضمن منطق التنافس المشروع الذي لا يتحول إلى أداة لتقويض العلاقات أو لتغذية العنف الرمزي. فالدول التي تراهن على المستقبل لا تبني شرعيتها على لحظات الانفعال، بل على قدرتها على تحويل الأزمات الرمزية إلى دروس في النضج السياسي والاجتماعي.
سوسيولوجيا، تظهر التجارب التاريخية أن العنصرية غالبا ما تنبع من الخوف والقلق من الاختلاف، لا من القوة أو التفوق الفعلي. فهي رد فعل دفاعي يظهر حين يشعر المجتمع بأن موضعه الرمزي أو الاجتماعي مهدد، وليس مؤشرا على قدرة حقيقية على الهيمنة أو السيطرة. ومن هذا المنظور، يعد خطاب الكراهية مؤشرا مبكرا وحاسما على توترات عرقية محتملة، إذ يمثل آلية رمزية لاستباق المخاطر، ويستعمل لتعبئة الجماعة ضد “الآخر” قبل وقوع النزاع الفعلي.
المغاربة، تاريخيا، لم يكونوا مجتمع نزاعات إثنية بالمعنى التقليدي، ولم تكن التفاعلات بينهم وبين الجماعات المختلفة مبنية على منطق الإقصاء الدائم أو العداء المستمر. كما أن السجل التاريخي يوضح أن المبادئ الاجتماعية والأخلاقية الراسخة لدى المجتمع المغربي لم تتغير تلقائيا عند أول صدمة أو تحد، بل ظلت ثابتة، مع قدرة الجماعة على ضبط الانفعالات واستيعاب الاختلافات ضمن نسق من التعايش والتعددية الثقافية.
من هذا المنظور، يمكن فهم ما يحدث في أزمات محددة، مثل أحداث نهائي كأس إفريقيا، بوصفه تعليقا مؤقتًا للضوابط الاجتماعية تحت ضغط انفعال رمزي شديد، وليس انهيارا للنسيج الاجتماعي أو الطابع الأخلاقي للجماعة. وهو ما يوضح أن التمييز بين السلوك العابر والهياكل القيمية الراسخة أساسي لفهم ديناميات العنصرية والعداء الرمزي داخل أي مجتمع.
الرد الحقيقي إذن لا يقوم على المماثلة أو الانزلاق إلى خطاب الانتقام، بل على الاستمرار في الشموخ الأخلاقي والالتزام بالقيم الجماعية الراسخة، ورفض التحول إلى نسخة من أولئك الذين شمتوا أو سعوا إلى تأويل الهزيمة بوصفها “سقوطا للبطل”. ففي هذا الإطار، تصبح الهزيمة ليست مؤشرا على ضعف النموذج أو انهياره، بل مرآة لانفعالات الآخرين الذين يفرغون فيها رغباتهم في التفوق الرمزي والسيطرة المعنوية.
من منظور سوسيولوجي، تكشف هذه الدينامية أن الهزيمة كشفت أكثر عن حب المقهور لسقوط النموذج، أي عن رغبة الجماعات الأخرى في تعويض إحباطاتها الذاتية عبر تصغير الآخر، لا عن هشاشة المبادئ أو القيم التي يقوم عليها النموذج نفسه. وهكذا، يصبح الصمود الأخلاقي والتمسك بالرؤية الاستراتيجية، بدل الانفعال ورد الفعل اللحظي، آلية حماية للرأسمال الرمزي الوطني، ولإعادة إنتاج مكانة المغرب في الفضاء الرمزي والسياسي، بعيدا عن دائرة الشماتة والإحباط الجماعي.
إن الانتصار الحقيقي للمغاربة لا يقاس بالنتائج العارضة أو الانتصارات الرياضية العابرة، بل يكمن في عدم التخلي عن المبادئ والقيم التي شكلت أساس نجاحاتهم ورصانتهم التاريخية، وهي مبادئ توارثوها جيلا عن جيل، وسمحت لهم بالنجاة داخل عالم مضطرب أخلاقيا، لا يتسامح مع تميز غيره أو تفوقه الرمزي.
من هذا المنظور، يمكن قراءة ما حدث ليس كنكسة قيمية أو انهيار للمجتمع، بل كـاختبار سوسيولوجي لقدرة المجتمع على التمييز بين العاطفة والوعي، وبين الانفعال اللحظي ورد الفعل العقلاني المدروس. فالأزمة الرمزية هنا تكشف عن خطوط التوتر بين الانفعال الجماعي والمبادئ المؤسسة للهوية، وتطرح السؤال المركزي حول مدى قدرة المجتمع على احتواء الانفعالات دون أن تمس أسس التماسك الاجتماعي والتفوق الرمزي.
وهكذا، يصبح الصمود الأخلاقي والقدرة على ضبط الانفعالات علامة نضج اجتماعي حقيقي، يؤكد أن التميز لا يلغى بالعواطف العابرة، وأن الرهان الوطني الأسمى يكمن في الاستمرار بالوعي، لا في الانفعال المفرط أو الانجرار وراء خطاب الكراهية والشماتة.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع






