الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

طنجة..”مدينة البحر… من القيم إلى المسخ، حيث يضيع الإنسان في زحام المكان”

وكأن قانون العشوائية “قانون الغاب”. صار هو الحاكم: نفسي نفسي، ومصلحتي قبل وفوق الجميع. 

■عمر بوطاهر| أستاذ التعليم الثانوي التأهلي..طالب باحث، مدون وناشط على مواقع التواصل الاجتماعي.

طنجة|في مثل هذا الوقت من كل سنة وخاصة في السنوات الأخيرة، وأنا أتجول في مدن البحر كمدينتي طنجة، يهاجمني شعور بعدم ارتياح مما يدور حولي. فما إن أخرج من المنزل حتى أُصدم بوقع الحياة الصاخبة: شوارع مزدحمة، سيارات متكدسة، أصوات “الكلاكسون” لا تهدأ، ضجيج وشتائم وغضب، تسارع وفوضى واستهتار بقوانين السير، وحوادث متفرقة وضحايا هنا وهناك…

وكأن قانون العشوائية “قانون الغاب”. صار هو الحاكم: نفسي نفسي، ومصلحتي قبل وفوق الجميع. 

أرفع يدي مناديًا سيارة أجرة، فينظر إليّ سائقها بنظرة خاطفة يملأها الاحتقار، وكأن صوته الداخلي يهمس: “مواطن بائس آخر لا يملك سيارة، يريد أن يفرض عليّ وجهة لا تناسبني مقابل دراهم معدودة. الأفضل أن أبحث عن زبونة قد تكون أكثر نفعًا”. فأجد نفسي مهمشًا في مدينتي، غريبًا بين ناسها، هنا إذا ما كنت مع والدتك مثلًا “تحس بالحْكْرَّة”.

أجل “فالطاكسي” في مدينتي لم يعد وسيلة نقل عمومية، بل تحول إلى سيارة خاصة تسير وفق معايير السائق لا رغبات الزبون ولا الضوابط التي وضعها المُشرع المغربي ولا حتى ما أمر به الشارع سبحانه من حسن المعاملة وإتقان العمل.

فمثلًا إذا كنتم ثلاثة أفراد أو حتى فردين “خاصك تخرج اللَّطيف” ومحال أن تستقلوا سيارة أجرة، وإذا كنت محملاً بحقائب فخير لك أن تبحث عن شاحنة نقل البضائع، أما إذا كنت مريضًا أو مقعدًا فاتصل بالإسعاف قبل أن تصاب بجلطة دماغية أو سكتة قلبية، فالسائق لا وقت لديه لينتظرك ولا ليأخذ معك حسنات، لأنه يسير باحثًا فقط عن القيمة المادية لا غيرها من القيم…

وكم اختلف الأمر يوم وجدت نفسي في تطوان، حيث سيارات الأجرة متاحة فنزل سائق “الطاكسي صغير” وحمل حقيبتي ووضعها في الصندوق وأخرجها بابتسامة ودعاء عند الوصول، فقلت له: “بارك الله في طاكسي تطوان، طاكسي القيم الشمالية الأصيلة، الحمد لله الخير ما زال عندكم، أما طنجة… فرحم الله طاكسيها…”.

هذه هي السمة العامة والغالبة لكن الخير موجود دائمًا رغم أنه أصبح استثناءً وليس عامًا، ولكل هذا أصبح المواطن الطنجي يلتجئ إلى تطبيقات التوصيل كـ“الإندرايف”، وكذلك فعلت لعلّني أجد وسيلة توصيل أقضي بها حوائجي، فإذا بالأسعار تضاعفت مع الصيف، ومع ذلك طال الانتظار ولم أجد من يقلني…، عندها لا تجد أفضل من أن تتابع السير على الأقدام…، أجل أختار المشي وسط الضجيج على أن أذوب في الانتظار… يالها من نزهة وعطلة في مدينة البحر هههه!

وأنا أمشي، تقف عيناي مذهولتين أمام مشاهد الازدحام والسباق المحموم نحو المنتجعات والمسابح والشواطئ والمقاهي والمطاعم والملاهي، حيث التزاحم يصل أحيانًا حد الاقتتال. هناك يطفو الجشع والطمع، وتبرز الأنانية والتسلط، وتغيب القيم والذائقة، فيغدو القبح سيد الموقف…

والمطاعم، لوحدها، صارت مسرحًا آخر للغرابة.

أمرّ بجانب مطعم فأرى طابورًا طويلاً من الناس ينتظرون دورهم. أسأل صديقي:

“هل يقدمون الطعام هنا بالمجان؟ أم أن هناك شخصية مشهورة بالداخل؟.

فيجيبني: لا، فقط ينتظرون فراغ الطاولات… المكان يقدم أكلاً إيطاليًا لذيذًا!

أرد بدهشة: لكن هل يستحق هذا الوقوف والانتظار؟. فيضحك ساخرًا ولكن هذه المرة بموضوعية: هههه بالتأكيد لا، لن أقف هنا… هل جننت؟!”.

ويصعب أصلًا أن تجد مكانًا هادئًا تجلس فيه لتحدّث نفسك أو صديقك بعيدًا عن الضوضاء.

ها قد وجدنا ركنًا صغيرًا في مطعم مزدحم، جلسنا متلاصقين كالمعلّبات، كل العيون تتفحصك، والنادل يقترب كآلة صمّاء يضع أمامك لائحة الطعام دون كلمة. تفتح القائمة فتجد الأسعار مشتعلة كالنار. تقول لنفسك ساخرًا: هل نحن في المغرب أم في الميريكان؟!، هل حقًا يعيش المواطنون أزمة؟!، ومع ذلك تتفهم الوضع عندما تجد نفسك تطلب مرغما…

اقتربت العطلة من نهايتها والصيف كذلك، لكن الجيب فرغ قبلهما بوقت طويل! أجل، إنه شهر غشت… شهر العطل الإدارية، شهر ميلادي، وشهر الجيوب الفارغة.

فأجد نفسي ألعن مدينتي!

لقد صار العيش فيها صعبًا… بل لا يُطاق.

وسط هذا المشهد المثقل بالضغط والاكتظاظ واليأس، تغدو الوجوه عابسة والقلوب مرهقة. فيتملكني السؤال:

هل هذه هي السعادة التي نركض خلفها؟ أهذه هي الحداثة التي نفاخر بها؟ كيف انقلبت الموازين حتى أصبح الإنسان غريبًا عن ذاته، يبحث عن الراحة في الضوضاء، وعن السكينة وسط الفوضى؟

اليوم، صارت حياة المدينة خانقة حدّ الاختناق، حتى أني أجد نفسي أحنّ إلى سكينة الجبال وهدوء القرى البعيدة أكثر مما أطيق ضجيج الشوارع وزحمة الإسفلت بالمدينة.

ويخيّل إليك وأنت تتجول أن ثلثي المغاربة قد تدفقوا دفعة واحدة على جهة طنجة تطوان الحسيمة! ضغط بشري هائل على منطقة ما زالت بنيتها التحتية هشّة، غير قادرة على استيعاب هذا الكم من الوافدين؛ وهي من مدن المونديال!!

والنتيجة أن سكان الجهة هم أول من يدفع الثمن: ازدحام لا يطاق، اختناق يومي، وارتفاع محليٌّ للأسعار والكراء والعقار، وتعطيل للحياة الطبيعية لأناسٍ ليسوا في عطلة أصلًا.

فإن كان الشمال قد صار قبلة المغاربة في الصيف، فعلى الدولة أن تتحرك فورًا وبجدية:

• فلا يعقل أن تبقى الطريق الوطنية بين طنجة وتطوان وشفشاون والحسيمة بهذا الوضع المتهالك!

• ولا يُقبل أن تظل شواطئ المتوسط غارقة في الفوضى والعشوائية!

• وكذا ضعف العرض السياحي بمدن الشمال وعشوائيته وغلاءه …

• ولا يجوز أن يبقى سكان المنطقة رهائن “بلوكاج” موسمي خانق، وكأن مدنهم مجرد فضاءات ترفيهية لغيرهم في فترة من السنة!

أوجه نداء ورسالة إلى من يهمه الأمر: لقد طفح الكيل.

لم يعد الشمال يحتمل هذا العبث ولا هذا الإهمال.

لقد آن الأوان أن يُنظر إلى مدن جهة طنجة تطوان الحسيمة لا باعتبارها مجرد وجهات صيفية عابرة، بل باعتبارها جهات استراتيجية تحتاج إلى خطة إنقاذ عاجلة، وإلى استثمار يليق بثقلها، وفرص شغل تخرج شبابها من البطالة والعطالة والبيريكولاج، وإلى عدالة عمرانية تضمن لسكانها حقهم في العيش الكريم وسط مدنهم.

وأقول لزوار مدن البحر وسكانها، أقول للمغاربة عمومًا: لسنا بحاجة إلى مظاهر براقة بقدر ما نحن بحاجة إلى استعادة البساطة، أن نعود إلى أنفسنا قبل أن نفقدها في الزحام. فقد تحولت مدينتي -وما هي إلا حالة من الحالات-، من فضاء للقيم والسكينة إلى ساحة يطغى عليها الضجيج والفوضى والجشع واللهفة، وما بين ازدحام الشوارع، وتوحش الطاكسيات، وغلاء المطاعم، وضغط الصيف، ضاع الإنسان وتحولت قيم ساكنة الشمال من القيم المعنوية الأصيلة إلى القيم المادية النفعية…

هكذا ضاعت أبسط حقوق العيش الكريم والسعيد.

هكذا تغول الإنسان فأصبحت أرى داخل كل هؤلاء وكل واحد فينا “أخنوش” صغير “خنينيش”…

فما نعيشه اليوم ليس مجرد تفاصيل صيف خانق، بل مرآة لاختلال عميق في القيم والسياسات، حتى غدت طنجة عروس الشمال “مدينة البحرين” مجرد اسم بلا روح، بعدما اغتصب جمالها واختنقت روحها في زحام المكان.

“والله المستعان على ماتصفون”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.