سوسيولوجيا حراس الأمن الخاص بالمغرب.. الهشاشة المهنية والاعتبار الاجتماعي: الجزء الأول
قطاع الأمن الخاص يخضع لقانون خاص (قانون رقم 27-06) ينظم كيفية الترخيص وموجبات الشركات، لكنه ينص أيضا على إمكان تعليق/سحب الترخيص في حالات متعلقة بالنظام العام أو بملاحقات جنائية وهو ما قد يؤدي لتوقيف عقود الشغل للعمال (ويصبح الفصل أحيانا “مسموحا” عبر آليات إدارية)
د.هشام بوقشوش|باحث في علم الإجتماع
الرباط|يحتل حراس الأمن في المؤسسات العامة والخاصة بالمغرب موقعا حيويا في البنية اليومية للمؤسسات، إلا أن موقعهم الاجتماعي والمهني يكشف عن مفارقات حادة بين الأدوار الأمنية والخدماتية التي يقومون بها وبين وضعهم المادي والاعتباري. فغالبية هؤلاء يشتغلون لساعات طويلة تتجاوز 12 ساعة يوميا، في ظل أجور زهيدة لا توازي المهام الملقاة على عاتقهم، ومع غياب الحماية الاجتماعية الفعلية واحترام الحد الأدنى من شروط العمل اللائق المنصوص عليها في مدونة الشغل المغربية (2004) والاتفاقيات الدولية لمنظمة العمل الدولية.
●من منظور سوسيولوجيا العمل
يمكن فهم هذه الوضعية عبر مفهوم “الهشاشة المهنية”الذي يشير إلى تزايد أشكال التشغيل غير المستقر وضعف الحماية الاجتماعية. فحراس الأمن يمثلون نموذجا لهذه الفئة التي تعيش على حافة سوق الشغل الرسمي، حيث التعاقد غالبا يتم عبر شركات الوساطة أو عقود محددة المدة، مما يجعلهم عرضة للتهديد الدائم بالفصل عن العمل دون تعويضات أو ضمانات.
●الوصم الإجتماعي والمهني: نظرة المجتمع
من جهة أخرى، تكشف نظرة المجتمع لهم عن “وصم مهني” باستعارة من إرفينغ غوفمان إذ ينظر إلى عملهم كخدمة دنيا أو هامشية رغم أهميته في حفظ النظام والأمن داخل الفضاءات العامة والخاصة. هذه الصورة الاجتماعية تؤثر في بناء هويتهم المهنية والشخصية، فتضعهم في موقع وسط بين السلطة التي يفترض أنهم يجسدونها (الحراسة والانضباط) والضعف البنيوي (الهشاشة المادية والاعتبارية).
●آثار نفسية واجتماعية
تنتج هذه الشروط القاسية آثارا نفسية واجتماعية عميقة: إحساس دائم بعدم الاستقرار، قلق المستقبل، هشاشة الروابط الاجتماعية والأسرية بسبب طول ساعات العمل، وتراجع إمكانية التخطيط لحياة مهنية أو عائلية متوازنة. كما تساهم في ذلك آليات الصمت المؤسسي؛ إذ غالبا ما تقف النقابات والمنظمات الحقوقية موقف المتفرج أو العاجز أمام تزايد حالات استغلال هذه الفئة، بينما لا تقدم الحكومة سياسات فعالة لفرض احترام القوانين والمواثيق الدولية.
●تفكيك الضمانات الإجتماعية
ضمن هذا السياق، يمكن قراءة وضعية حراس الأمن في المغرب بوصفها تجسيدا لاتجاه أوسع في سوق الشغل المغربي نحو “تفكيك الضمانات الاجتماعية“على حد تعبير بورديو حول العمل المأجور، أي الانتقال من نموذج الشغل المستقر إلى شغل هش، في ظل ضعف التنظيم النقابي وفقدان الثقة في الوسائط التمثيلية.
●بنية سوق العمل
إن دراسة هذه الظاهرة سوسيولوجيًا تقتضي مقاربة تركيبية تجمع بين تحليل بنية سوق العمل (اقتصاد سياسي للشغل) وتحليل البناء الاجتماعي للهوية المهنية والاعتبار الاجتماعي.
بذلك يمكن الكشف عن العلاقة بين سياسات التشغيل، هشاشة العقود، الفوارق الطبقية، والتمثلات الاجتماعية للعمل الأمني، بما يعكس ديناميات أوسع في المجتمع المغربي حول العمل غير المستقر والحقوق الاجتماعية.
ظروف الاشتغال: ساعات طويلة (≥12 ساعة)، عمل واقف، نوبات ليلية، وأجر مقابل غير متكافئ
●ساعات العمل: 12 ساعة يوميا
تقارير ميدانية وصحفية في المغرب توثق أن عددا كبيرا من حراس الأمن يعملون مناوبات طويلة (غالبا 12 ساعة أو أكثر يوميًا، أي قد يصل إلى ~72 ساعة أسبوعيا في حالات التوظيف عبر الشركات الوسيطة)، مع وجوب التواجد الدائم، ضعف فترات الراحة، وأحيانًا تحمّل وضعيات جسدية قاسية (وقوف طويل، دوريات ليلية، نوبات متقطعة).
●قانون الشغل
القانون المغربي يحدد إطارا لمدة العمل والعطل والأجر الإضافي (المدوّنة/قوانين العمل) لكن التباين قوي بين النص والتطبيق، خصوصا في قطاعات التخديم المحولة للخارج.
القاعدة القانونية (8 ساعات يوميا كمرجعية عامة) تقابلها في الواقع ممارسات ضبط إنتاجية/تكاليف تقوي سياسة الشغل الطويل: الشركات المستفيدة تطلب تغطية أمنية مستمرة لكنها تفوّض التنفيذ لشركات الوساطة التي تضغط على الكلفة عبر تحميل ساعات العمل الطويلة للعاملين. هذا يولد فجوة تنظيمية: نص قانوني موجود ولكن قوة تطبيقه ضعيفة.
●الإقتصاد السياسي للشغل
من زاوية الاقتصاد السياسي للشغل، العمل بأوقات طويلة يغيب القدرة على الحياة الاجتماعية وإعادة الإنتاج (الأسرة، الراحة، التكوين) — وهو ما يقوي دورة هشاشة اجتماعية تتوارثها عائلات العاملين إذا استمر الوضع.
●أشكال التعاقد
شكل التعاقد: التعاقد عبر شركات وسيطة (sous-traitance) وظهور أشكال عقود هشة
كثير من حراس الأمن موظفون عبر شركات للحراسة متعاقدة مع مؤسسات أو عبر صفقات عمومية/خاصة؛ هذا يخلق علاقة ثلاثية الأطراف (العامل — شركة الحراسة — المؤسسة/الزبون)، حيث تحوّل المخاطر إلى العامل وتضعف حماية الحقوق. تقارير وطنية تُظهر ضعف إطار قانوني موحد لتنظيم آثار التعاقد من حيث الضمانات.
●التفكك المؤسسي للحقوق
مفهوم التفكك المؤسسي للحقوق أو “المرونة النشطة/المرونة على حساب العمال يشرح كيف أن سياسات التعاقد تحوّل المخاطر وتحطم روابط الضمان الاجتماعي. يتحدث عن الـهشاشة كطبقة اجتماعية تنتجها مثل هذه الممارسات.
التعاقد يسهّل خفض التكاليف للمؤسسات لكنه يضعف الحكامة والمسؤولية: من يحاسب عند خرق الحقوق؟ الشركة المالكة للصفقة قد تقع خارج دائرة الالتزام اليومي، وشركة الحراسة قد تعتمد عقودا مؤقتة أو غير مكتملة قانونيا. النتيجة: نظريا توجد حماية، عمليا توجد تفريغات تجعل العامل الحلقة الأضعف.
●القدرة النقابية وسلم الأجور
هذا النمط يضعف القدرة النقابية على التمثيل (تشتت العمال عبر مزودين متعددين، نفس العامل ينتقل بين زبائن وعقود قصيرة)، ويفضي إلى صعوبة التفاوض على شروط موحدة.
الأجور: أجور زهيدة، فروق مع الحدّ الأدنى، وعدم احترام (SMIG) في بعض الحالات
ارتفاع متباين في التقارير حول الأجور: منصات تجميع بيانات العمل تقدّر معدلات متفاوتة، بينما تحقيقات صحفية واستقصاءات ميدانية تشير إلى أجور قد تكون دون مستوى عيش لعديد العاملين (تقديرات ميدانية تاريخية بين 800–1,200 درهم شهريا في بعض القطاعات/مدن، مع فروقات بحسب المدينة وصاحب العقد). في المقابل تمت مراجعة SMIG/SMAG بشكل رسمي في 2024–2025 (رفع بنسبة حول 5% وأرقام مرجعية للحد الأدنى).
إنه التناقض بين ارتفاع الحدّ القانوني الأدنى (SMIG) وسلوكات التطبيق على الأرض يُظهر ضعف إنفاذ القانون وفعالية آليات التفتيش. في حين أن الأجرة المنخفضة لا تقاس فقط بعدد الدراهم، بل بتأثيرها على القدرة على تأمين السكن، الصحة، التكوين — وهي أبعاد ترجعنا إلى مفهوم رأس المال الاجتماعي والرمزي لبورديو: غياب الموارد المادية يقوّض رأس المال الاجتماعي والثقافي للعامل ويُبقيه في هامش التحسين.
●غياب الحقوق والحماية الاجتماعية: التأمينات، التعويضات، والتوقيف إثر إجراءات إدارية/أمنية
قطاع الأمن الخاص يخضع لقانون خاص (قانون رقم 27-06) ينظم كيفية الترخيص وموجبات الشركات، لكنه ينص أيضا على إمكان تعليق/سحب الترخيص في حالات متعلقة بالنظام العام أو بملاحقات جنائية وهو ما قد يؤدي لتوقيف عقود الشغل للعمال (ويصبح الفصل أحيانا “مسموحا” عبر آليات إدارية)
النص القانوني الذي يمنح السلطات صلاحيات تعليق الترخيص قد يكون مبررا من زاوية الأمن العام، لكنه يضع العمال في حالة ضعف: قرار إداري (أو شك جنائي) لدى صاحب الترخيص يؤدي مباشرة إلى فقدان مصدر الرزق بآثار اجتماعية جسيمة، مع صعوبة حصول العامل على تعويض فعّال إن لم تتوفّر آليات إنفاذ مستقلة.
تغيب الحماية الاجتماعية الحقيقية (تأمين صحي فعال، مساهمات انتظارية، ضمان البطالة) عند بعض الشركات الوسيطة يجعل العامل غير قادر على امتصاص صدمات فقدان العمل أو الأزمات الصحية أو الحوادث المرتبطة بالوظيفة. تقارير محلية تشير إلى حالات أجور غير مدفوعة وغياب تغطية.







