الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

رئيس محكمة الاستئناف التجارية بطنجة الدكتور محمد ملجاوي يفكك “خارطة طريق” العمل التحكيمي ويبرز القيمة القانونية للوثيقة التحكيمية

الرباط| في إطار التغطية الإعلامية المستمرة التي تؤمنها “مغرب بريس تيفي” لأشغال البرنامج التكويني الذي ينظمه المركز الدولي للوساطة والتحكيم بغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط – سلا – القنيطرة، تميزت اللقاءات العلمية بمداخلة قانونية رفيعة المستوى قدمها الدكتور محمد ملجاوي، رئيس محكمة الاستئناف التجارية بطنجة، والتي سلط من خلالها الضوء على الممارسات التطبيقية للتحكيم الوطني والدولي والقواعد الضابطة لعمل المحكم.

سياقات التحكيم: بين الإلزام الدولي والخصوصية الوطنية

استهل الدكتور محمد ملجاوي مداخلته بالتمييز بين أشكال التحكيم وسياقاتها الجغرافية، مشيرا إلى أن التحكيم ينقسم إلى وطني ودولي:

التحكيم في السياق الدولي:أوضح رئيس محكمة الاستئناف التجارية بطنجة أن التحكيم في سياقه الدولي قد فرض تاريخيا على الدول النامية مواكبة للعولمة الاقتصادية.

التحكيم التجاري الوطني:وهو الذي ينعقد وتجري أطواره بالكامل فوق التراب الوطني، بخلاف التحكيم الأجنبي الذي يتم خارج حدود التراب الوطني.

وفي تفكيكه للمفاهيم المؤطرة للعملية التحكيمية، ميز الدكتور ملجاوي بين آليات الاتفاق، موضحا أن “اتفاق التحكيم” كمصطلح شامل يضم شقين؛

شرط التحكيم الذي يبرم مسبقا عند توقيع الاتفاق الأولي بين الطرفين.

عقد التحكيم الذي يتم إبرامه وصياغته بشكل مستقل بعد نشوب النزاع فعليا.

“وثيقة التحكيم”.. الحصن الحصين وخارطة طريق المحكم المحترف

وشدد الدكتور محمد ملجاوي على الأهمية البالغة لـ”وثيقة التحكيم”، واصفا إياها بأنها “خارطة الطريق” التي يشتغل بناء عليها المحكم، والحصن الحصين للعملية التحكيمية برمتها.

وأكد أن المحكم المحترف يسعى دائما إلى صياغة وثيقة تحكيمية مفصلة ودقيقة تشمل كافة الجوانب التنظيمية في حالة “التحكيم الحر”، في حين تتكفل المؤسسة التحيكمية بهذه التفاصيل في حالة “التحكيم المؤسساتي”.

وأبرز رئيس المحكمة التجارية أهم النقاط التي يجب أن تحسمها الوثيقة:

القانون الواجب التطبيق: تحديد القوانين المراد تطبيقها على النزاع، أو تسجيل غياب الاتفاق على قانون معين أو قواعد الإنصاف والعدالة.

اللوجستيك والتنظيم:تحديد شروط وضوابط التسجيل أو التصوير أثناء الجلسات بشكل دقيق.

التمييز بين المقر والمكان:

أوضح المحاضر أن “مقر التحكيم”هو الذي تترتب عليه الآثار القانونية كإيداع الأحكام في المحاكم (كالرباط مثلا)، بينما “مكان التحكيم” هو الفضاء الجغرافي الذي تنعقد فيه الجلسات؛ حيث لا يوجد مانع قانوني من عقد جلسات خارج المقر (كمراكش مثلا) شريطة اتفاق الأطراف.

المهارات التواصلية للمحكم وحماية حقوق الدفاع

ولم تقتصر مداخلة الدكتور ملجاوي على الجانب المسطري الجامد، بل عرّج على المهارات السلوكية للمحكم، مؤكدا أنه مطالب بإتقان مهارات التواصل، كونه يتعامل مع “وضعية أزمة” محاطة بالغضب والتوتر؛ مما يفرض عليه تقديم حلول مرنة وخلق أجواء مريحة ومحايدة في مكان انعقاد اللقاءات.

أما على المستوى الإجرائي، فقد أشار إلى ضرورة التقيد الصارم بالوثيقة وباحترام حق الدفاع، معطيا المثال بأنه إذا تم الاتفاق بين الأطراف على التبليغ عبر البريد المضمون، وجب الالتزام بهذا السلوك القانوني حرفيا دون إخلال.

النزاعات المختلطة ومصير الحكم التحكيمي أمام القضاء

وفي قراءة مأخوذة من واقع مدونة التجارة وقانون الالتزامات والعقود، أثار الدكتور محمد ملجاوي مسألة النزاع الذي يقع بين “تاجر” و”غير تاجر” (مواطن عادي)، موضحا بناءً على المادة 4 من قانون الوساطة والتحكيم، أن المحكم هنا لا يطبق مدونة التجارة بصفة مطلقة، بل يطبق القانون التجاري على التاجر والقانون المدني على الطرف غير التاجر.

واختتم رئيس محكمة الاستئناف التجارية بطنجة مداخلته بتحديد الطبيعة القانونية للمنتج التحكيمي، مؤكدا أن:

“التحكيم وُجد أصلا لفض النزاعات بشكل نهائي وليس للمرور إلى القضاء، فبمجرد صدور الحكم التحكيمي لا يتم اللجوء للمحاكم العادية من أجل إعادة النظر في جوهر النزاع، لأن الحكم التحكيمي ملزم وواجب التنفيذ باعتباره قضاءً خاصا، وينحصر دور القضاء فقط في النظر في الطعون القانونية الموجهة ضد الحكم بعد صدوره”.

و لاقت هذه المداخلة التكوينية تفاعلا دقيقا من طرف الحاضرين لما حملته من توجيهات عملية من قاضٍ مارس العمل القضائي التجاري لسنوات، ويرى في التحكيم شريكا استراتيجيا لتخفيف الضغط عن المحاكم وتحقيق العدالة الناجزة، فيما تستمر الدورة التكوينة في شقها التطبيقي غدا، من خلال دراسة نماذج تطبيقية تتيح للمستفيين من هذا التكوين تطوير مهاراتهم في باب الممارسة العملية لتقنيات الوساطة والتحكيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.