الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

صناع التفاهة بالمغرب..حين تتحول السوشيال ميديا إلى ساحة لبيع الوهم “أسماء النعيمي”

فمنصّات التواصل الاجتماعي التي كان يُفترض أن تكون جسورًا لنقل المعرفة وتبادل الوعي قد تحوّلت – في جزء كبير منها – إلى سوقٍ صاخبة تُباع فيها الشهرة السريعة، ويُسوَّق الوهم بلا أي جهد فكري أو قيمة حقيقية أو إبداع .

أسماء النعيمي| متخصية في التربية وفاعلة جمعوية

طنجة|في خضمّ الإعصار الرقمي الذي اجتاح مجتمعاتنا، تلاشى الفارق بشكل كبير بين “صنّاع المحتوى” و”صنّاع التفاهة”، حتى لم يعد يُرى إلا كشعرةٍ تفصل بين عالمين متناقضين.

فمنصّات التواصل الاجتماعي التي كان يُفترض أن تكون جسورًا لنقل المعرفة وتبادل الوعي قد تحوّلت – في جزء كبير منها – إلى سوقٍ صاخبة تُباع فيها الشهرة السريعة، ويُسوَّق الوهم بلا أي جهد فكري أو قيمة حقيقية أو إبداع .

حيث أصبحت هذه المنصّات أشبه بما نسمّيه في الشمال ب “plaza”؛ التي كلما وطئت قدمك داخلها حتى يصادفك العفن وكل ما هو رديئ إلى جانب ذلك تجد كل ما هو طري ونادر وأنت من تتحمل مسؤولية قرارك أي الاختيارات تناسبك ،

وبين هذا الخليط الفوضوي يرتفع ضجيج فئة جديدة يعلو صوتها على حساب كل ما هو جدير بأن يُسمع ، هذه الفئة التي أتقنت صناعة “اللاشيء”، وأصرّت على تسويقه بكل براعة من خلال الكثير من الصراخ والابتذال ولاأخلاقية ،هؤلاء ودون مبالغة هم من يستحقون لقب “صنّاع التفاهة”.

من صانع محتوى إلى صانع تفاهة… مسافة فيديو واحد

لم تعد الشهرة تحتاج إلى موهبة أو رسالة قيمة أو إضافة تُذكر يكفيك اليوم تسجيل مقطع قصير وحركة مثيرة وعنوان صادم أو فضيحة ما حتى يصبح صاحبه “تراند” ويتحوّل بين ليلة وضحاها إلى “مؤثّر” فللأسف لم تعد فئة مهمة من الجمهور تبحث عن المعرفة بقدر ما تبحث عن الضحك السريع وكل ما يخدر العقول كي تنسى وضعها الاجتماعي والاقتصادي الخ ولا يعنيها البحث عن العمق بقدر ما تجذبها السطحية بحيث أن الخوارزميات بدورها لا تكافئ الأجود، بل تكافئ الأكثر ضجيجًا، والأكثر إثارة للجدل، والأكثر جذبا للمتابعة ولو كان بلا معنى.

ومن هنا ظهرت فئة واسعة ترتدي عباءة التأثير، بينما تحترف بيع الوهم وتغذية التفاهة، فئة تجيد لعبة العناوين الصادمة وتعرف كيف تختطف الانتباه بخدعة رخيصة أو مشهد مفتعل حتى لو كان الثمن تدمير الذوق العام وتسطيح وعي جيل بأكمله.

بوق السوشيل ميديا صار مستنقع يبتلع الأصوات الجادّة

وسط هذا الضجيج الرقمي الطاغي يضيع كثير من المبدعين الحقيقيين أولئك الذين يمتلكون الكلمة الصادقة والفكرة الهادفة والرؤية العميقة ويستحقون أن يكونوا مؤثرين بمجتمعنا لكنهم يجدون أنفسهم على الهامش لأن مبدأ “السوق” الرقمي لا يطلب نماذج أمثالهم والخوارزميات لا تُنصفهم كونهم يساهمون في إثارة وعي المواطن حول القضايا الإنسانية المهمة وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: “إمّا أن تنزلقوا إلى مستوى الفضائح … أو ابقوا في الظل”.

ومع ذلك يبقى الإيمان حاضرًا بأن الجودة لا تموت ، قد تتأثر ، تُحاصَر، تُهمَّش، لكنها لن تنمحي مهما كان ،فالإنسان الذي لديه رسالة قيمة يؤمن بها سيظلّ رمزا يحتذى به وقدوة لفئة عريضة مهما علا عليه العفن الذي نراه كالضوء تماما لا يلغيه الظلام مهما طال .

لماذا نصنع التفاهة… ولماذا نتابعها؟

قد يُحمّل البعض الجمهور كامل المسؤولية، وهو طرح صحيح جزئيًا فالناس تميل لما يسلّيها أكثر مما ينفعها ، لكن الحقيقة أعمق من ذلك نحن أمام ثقافة استهلاك سريعة جعلت العقل يبحث عن “الأسهل” لا عن “الأفضل” فالغالبية أصبحت ترى أن الطرق الملتوية والسريعة تنفعهم أكثر بكثير من تلك الطرق التي تدفعهم للوقوع مرارا وتكرارا حتى يحصلوا على ما يريدون لذلك صاروا يشجعون كل ما هو سهل وسلس، بالإضافة إلى الرؤية الاقتصادية التي تجعلهم يؤمنون بأن الربح المادي يحصد من التفاهة من خلال النماذج المنحطة التي كرست لهذا الفكر ، ناهيك عن الهروب الجماعي من ضغوط الواقع المعاش والذي يلتجئ له العديد من الأفراد ويدفع الكثيرين منهم إلى التعلّق بأي محتوى يكسر الرتابة ولو كان سخيفًا.

في هذا السياق يصبح صانع التفاهة مجرّد انعكاس لواقع اجتماعي مرتبك يشمل فئة عريضة من أبناء مجتمعنا الذي يعاني فراغًا فكريًا وعاطفيًا، ويبحث عن أي مسكّن سريع، ولو على حساب وعيه ومستقل أبنائه .

وماذا بعد؟

السوشيال ميديا ستظل– كما الـ plaza – فضاءً مختلطًا نرى فيه كلّ الألوان: الجميل والقبيح، العميق والسطحي، الهادف والفارغ. لكن الفارق الحقيقي لا تصنعه هذه المنصّات، بل نحن، نحن من نمنح “صنّاع التفاهة” سلطة التأثير على تفاصيل حياتنا ، أو أن نغير اختياراتنا تجاه من يستحق أن ترفع أصواتهم.

فالسؤال ليس: لماذا يوجدون؟

بل: لماذا نسمح لهم بأن يكونوا قدوة لجيلنا والأجيال الصاعدة ؟

ولكوننا نعيش في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة أسرع من تحضير كأس قهوة، والضجيج أعلى من المعنى، واللاشيء أقوى من كل شيء، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل ما زلنا نملك القدرة على مقاومة التفاهة ؟ أم أننا أصبحنا – دون أن نشعر – جزءًا من صناعتها؟

ورغم كل شيء، يظلّ الأمل قائمًا في أن الزمن لا يُجامِل أحدًا، وأن مكان “صنّاع التفاهة”، مهما اتسع اليوم سيبقى هشًّا سينزلق مع أول مرحلة وعي يصل إليها الفرد منا .

وأن المحتوى الصادق – وإن تأخّر – سيجد طريقه حتما وسيفرض وجوده بكل هدوء…

كما يفعل الضوء حين يدخل غرفةً مظلمة دون أن يحتاج لرفع صدى صوته أويصرخ كي يثير انتباه الاخرين .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.