الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

استقلال المحاماة على محك التشريع: قراءة في مشروع 66.23.. ذ سعاد المولوع

ذ.سعاد المولوع: محامية|يثير مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23 نقاشا واسعا داخل الأوساط القانونية والحقوقية، باعتباره نصا تشريعيا يمس إحدى أكثر المهن ارتباطا بجوهر العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.

 فالمحاماة ليست مجرد نشاط مهني منظم، بل هي، في جوهرها رسالة دستورية تقوم على حماية الحقوق والحريات، وتأمين حق الدفاع، والمساهمة في تحقيق الأمن القضائي.

ومن هذا المنطلق، فإن قراءة هذا المشروع لا ينبغي أن تنحصر في تعداد مستجداته التقنية، بقدر ما تستوجب مساءلة فلسفته العامة، ومنهجه التشريعي، ومدى انسجامه مع مبدأ استقلال المهنة كما استقر في الدستور وفي المواثيق الدولية ذات الصلة.

بين خطاب التحديث وواقع المقتضيات

تقدم الحكومة مشروع القانون 66.23 باعتباره استجابة لحاجة ملحة إلى تحديث الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة، وتعزيز جودة التكوين، وتطوير أخلاقيات الممارسة، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي وتطور المنازعات وتعقدها.

ولا خلاف في أن القانون الحالي، رقم 28.08، أضحى في حاجة إلى مراجعة بعد أكثر من عقد من التطبيق، غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الإصلاح، وإنما في حدود هذا الإصلاح واتجاهه، هل هو إصلاح يعزز التنظيم الذاتي للمهنة، أم يعيد ترتيبها وفق منطق الضبط والوصاية؟

شروط الولوج: الجودة أم الإقصاء؟

من أبرز ما جاء به المشروع تشديد شروط الولوج إلى المهنة، من خلال اشتراط شهادة الماستر وتحديد سقف عمري للترشح، ورغم وجاهة الهدف المعلن المتمثل في الرفع من مستوى الكفاءة والتأهيل، فإن هذه المقتضيات تثير تساؤلات مشروعة حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف الاجتماعي.

فالرهان على الجودة لا ينبغي أن يتحول إلى آلية إقصاء غير مباشر، خاصة في ظل التفاوت البنيوي بين الجامعات، واختلاف المسارات الدراسية، والظروف الاجتماعية التي قد تؤثر في الزمن الجامعي للطلبة. وكان من الممكن اعتماد معايير أكثر مرونة، قوامها الاستحقاق والكفاءة الفعلية، بدل القيود الشكلية.

استقلالية المحامي في قلب الجدل

تتعلق أكثر المقتضيات إثارة للنقاش بتلك المرتبطة بضمانات ممارسة الدفاع، وبالعلاقة بين المحامي والمؤسسات القضائية، إذ عبرت هيئات مهنية متعددة عن تخوفها من أن تؤدي بعض الصياغات إلى تقليص هامش حرية المحامي داخل الجلسات، أو إلى توسيع نطاق المساءلة التأديبية خارج منطق التنظيم الذاتي للمهنة.

والمحامي، في أدائه لوظيفته، لا يمكن أن يختزل في دور تقني أو إجرائي، بل هو فاعل أساسي في تحقيق العدالة، ووسيط بين المواطن والمؤسسة القضائية. وأي مساس باستقلاله، ولو تحت ذريعة التنظيم، ينعكس بالضرورة على فعالية حق الدفاع وعلى ثقة المتقاضين في العدالة.

إشكالية المنهج: غياب التوافق المهني

إلى جانب المضمون، يطرح المشروع إشكالا منهجيا يتعلق بمدى إشراك الهيئات المهنية في بلورته، فمهنة المحاماة بحكم تاريخها وتقاليدها، تقوم على التنظيم الذاتي والديمقراطية المهنية، وهو ما يفرض اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية، لا شكلية، عند إعداد أي نص يؤطرها.

إن إصلاح المهن القضائية لا يستقيم بمنطق الفرض، بل بالحوار والتوافق، بما يضمن مشروعية النص وقابليته للتطبيق .

إن مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23 يشكل محطة مفصلية في مسار تنظيم المهنة بالمغرب. فهو يحمل، من جهة، طموحا مشروعا لتحديث الإطار القانوني، لكنه يثير، من جهة أخرى، مخاوف حقيقية بشأن التوازن الدقيق بين التنظيم والاستقلال.

والتحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في الإسراع بإخراج نص جديد، بل في صياغة قانون يعكس روح الدستور، ويحترم خصوصية المهنة، ويجعل من المحاماة شريكا مستقلا ومسؤولا في بناء عدالة فعالة، لا مجرد فاعل خاضع لمنطق الضبط الإداري.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.