الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

على سيرة الكان 2025…حينما جمعت الكرة ما فرقته الجغرافيا .. أسماء النعيمي تكتب

طنجة-بعد توديع أحداث كأس الأمم الإفريقية، هذا العرس الكروي القاري الذي احتضنه وطننا المغرب هذه السنة جعلتنا الأجواء المصاحبة لهذا الحدث الكبير أن نفتح أبصارنا قليلًا عن عالمنا الافريقي بشكل أوضح على قارتنا بينما تعودنا أن نتابع أطوار مباريات الكان المقامة كل سنتين واعتدنا أن نراه فقط من خلال تسعين دقيقة في ملاعب الكرة.

ولطالما اعتدنا نحن شعوب شمال إفريقيا والمنضوون تحت لواء المغرب العربي متابعة مباريات “الكان” كهواية كروية، لكن ذلك التتبع كان غالبًا مشوبًا بشعور خفي بالغربة،غربةٌ تولّدت لأن هذا الحدث القاري كان يُنظَّم في أغلب دوراته داخل دول إفريقيا السمراء، تلك الدول التي كنّا – عن وعي أو عن غير وعي – نعتبر أن شعوبها لا تشبهنا في شيء: لا في اللون، ولا في الملامح، ولا في اللغة، ولا في الثقافة، ولا حتى في الدين في كثير من الأحيان. هذا الإحساس المتراكم عبر سنوات لم يكن سوى انعكاس لفجوة عميقة اتسعت بين شمال القارة وجنوبها، فجوة غذّتها الصور النمطية التي رسخها الاستعمار في أذهاننا وساهم في ذلك أيضا تاريخ طويل من سوء الفهم والتباعد بين دولنا.

غير أن هذه النسخة المقامة جاءت مختلفة تمامًا. جاءت لتُقام على أرض المغرب، البلد الذي يُنعت عن جدارة بـ“مغرب الحضارات” وملتقى الثقافات، البلد الذي خبر عبر تاريخه الطويل كيف يتعامل مع الاختلاف بوصفه ثراءً لا تهديدًا، فبفضل هذا الاحتضان لم تكن “الكان” مجرد بطولة رياضية بل تحوّلت إلى فضاء إنساني وثقافي مفتوح تقاطعت فيه اللغات وتجاورت فيه الأزياء وتلاقحت عبره العادات وانفتحت من خلاله شعوب القارة على تقاليد المجتمع المغربي واكتشفت معدن أهله ودفء استقبالهم وعمق انتمائهم الإفريقي قبل أي انتماء آخر.

ولقد ساهمت هذه النسخة من كأس الأمم الإفريقية في تقارب المسافات بين كل الدول المشاركة ليس فقط على مستوى المنتخبات بل على مستوى الشعوب نفسها إذ رأينا مشجعين من دول سمراء ينسجمون مع الشارع المغربي حيث يتشاركون الأهازيج والضحكات والطقوس اليومية وكأنهم يعيدون اكتشاف إفريقيا التي تجمعهم، لا تلك التي فُرضت عليهم حدودها الذهنية والسياسية.

وللأسف في الجهة المقابلة ظهر الشرخ الكبير مع إحدى الدول المجاورة التي كان يجمعنا بها تاريخ عريق ويضمنا معها مغرب عربي واحد ،إذ صدرت عن بعض مشجعي منتخبها تصرفات لا أخلاقية، أصرّ أصحابها منذ لحظة وصولهم إلى تراب وطننا على الإساءة لكل ما يرتبط بالمغرب في محاولة بائسة لتشويه صورته والنيل من رمزيته، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنهم حين انقلب عليهم الجميع ليس فقط المغاربة بل حتى مشجعي القارة السمراء المتمثلون في الدول المشاركة بالكان ، الذين وإن لم يفهموا اللغة جيدًا إلا أن ضجيج الكراهية قد وصلهم بوضوح، فكشف المندسّين لتشويه صورة بلدنا وعرّى نواياهم.

وهذه السلوكيات لم تكن معزولة عن سياقها بل أظهرت إلى أي حد ما زالت بعض شعوبنا أسيرة لأفكار عنصرية زرعها الاستعمار في أوصال بلداننا ولا تزال آثارها حاضرة إلى اليوم. أفكار سعت ولا تزال إلى تفريقنا وإيهامنا بأننا شعوب متباعدة، متناحرة، لا يمكن أن تلتقي يوما وتتحدّ من أجل تحقيق مستقبل القارة ،بل إن بعض القوى لا تزال تفعل ما بوسعها للحيلولة دون اتحاد دولنا لأن وحدة إفريقيا تعني نهاية سهلة لهيمنة طالما قامت على التفرقة والسيطرة على العقول قبل الأرض.

وفي ختام هذه التجربة الإفريقية لا يسعنا إلا أن نتمنى أن تكون هذه النسخة من “الكان” سببًا حقيقيًا في أن نضطلع نحن شعوب القارة على تاريخنا المشترك وعلى عظمتنا التي طُمست طويلًا خلف صور نمطية وحدود مصطنعة وأن ندرك أن قوتنا تكمن في تنوعنا وأن اتحادنا ليس حلمًا بل ضرورة تاريخية.

ولعلها تكون خطوة أولى نحو بناء علاقة قوية ومتينة بين جميع شعوب إفريقيا كيفما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم وأديانهم..ولِمَ لا نُحيي يومًا حلم “الاتحاد الإفريقي” الحقيقي، لا كشعارٍ سياسي بل كواقعٍ يجعل من قارتنا أحد أقوى اتحادات دول العالم، قارة تعرف تاريخها بنفسها وتكتب مستقبلها بيد أبنائها.

أسماء النعيمي| متخصية في التربية وفاعلة جمعوية

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.