الباحت في علم الاجتماع د. هشام بوقشوش:تنتقل من قوة الاحتجاج إلى معركة التأثير بعد صدور القانون 66.23
باحث في علم الاجتماع: انتهاء معركة تعطيل القانون يفرض على المحامين اعادة ترتيب ادواتهم والانتقال من الاحتجاج الى الترافع والتأثير
شكل نشر القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية محطة جديدة في مسار طويل من الجدل المهني والقانوني الذي رافق مشروع القانون. فبعد مرحلة اتسمت بالاحتجاج والتعبئة والمقاطعة، انتقلت القضية الى مرحلة مختلفة، اصبح فيها النص واقعا قانونيا ومؤسساتيا يتعين التعامل معه من خلال اليات جديدة.
ويرى الباحث في علم الاجتماع د. هشام بوقشوش ان قراءة هذه المرحلة لا ينبغي ان تختزل في سؤال من انتصر ومن انهزم، بل يجب ان تتجاوز ذلك الى تحليل طبيعة القوة التي اظهرتها المحاماة خلال فترة الاحتجاج، وحدود قدرتها على تحويل التعبئة المهنية الى تأثير مباشر في مسار التشريع.
من قوة التعبئة الى قوة التأثير
اظهرت التجربة الاخيرة قدرة كبيرة على تعبئة الجسم المهني وتوحيد صفوفه حول قضية واحدة، غير ان قوة التعبئة لا تعني بالضرورة قوة التأثير.
فقوة التعبئة تقاس بقدرة الجماعة على تنظيم الاحتجاج والاستمرار في المقاطعة والوقفات وانتاج خطاب موحد، بينما تقاس قوة التأثير بقدرتها على تغيير مواقف الفاعلين والمؤسسات، او دفعهم الى تقديم تنازلات واعادة ترتيب موازين القوة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب عبارة “شيدنا قصرا دون تصميم لمدخل الخروج منه” دلالة خاصة، باعتبارها تعبيرا عن مشكلة استراتيجية تتمثل في بناء قدرة كبيرة على التصعيد دون وضع تصور واضح لمسار التفاوض والتسوية والخروج من الازمة.
وحدة مهنية تحتاج الى مراجعة نقدية
لم تكن الوحدة المهنية التي رافقت الاحتجاج مجرد عنصر قوة، بل تطرح ايضا سؤالا حول طبيعة القرار الجماعي ودور الاختلاف داخل التنظيمات المهنية.
فالوحدة يمكن ان تعكس اجماعا حقيقيا، لكنها قد تتحول ايضا الى امتثال جماعي عندما تصبح كلفة الاختلاف مرتفعة. ولذلك فان وجود اصوات مختلفة داخل الجسم المهني لا يعني بالضرورة اضعاف الوحدة، بل قد يكون وسيلة لتصحيح المسار ومنع استمرار استراتيجية وصلت الى طريق مسدود.
ويطرح ذلك الحاجة الى الانتقال من وحدة الاحتجاج الى ما يمكن تسميته بالوحدة النقدية، التي تسمح بمراجعة القرارات والاستراتيجيات دون تحويل الخلاف الى صراع داخلي.
المحاماة بين المهنة والحقوق والحريات
تحتل المحاماة موقعا خاصا داخل المجتمع، فهي ليست مجرد جماعة مهنية ذات مصالح اقتصادية، كما انها ليست جهازا اداريا تابعا للدولة، بل توجد في منطقة وسطى بين الدولة والمجتمع وبين المؤسسة والحقوق والحريات.
ويمنح هذا الموقع المحاماة راسمالا رمزيا مهما، يرتبط بالدفاع عن العدالة وضمان المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات.
لكن هذا الرصيد يمكن ان يكون مصدر قوة او نقطة ضعف. فكلما نجحت المحاماة في تقديم مطالبها باعتبارها مرتبطة باستقلال المهنة وجودة العدالة وحقوق المتقاضين، اتسعت شرعيتها داخل المجتمع. اما اذا اختزلت المعركة في صراع حول مصالح مهنية او امتيازات فئوية، فقد تتراجع قدرتها على استقطاب التعاطف المجتمعي.
ما بعد نشر القانون
يمثل نشر القانون لحظة فاصلة بين مرحلتين. فقبل النشر كان الهدف الاساسي هو التأثير في مسار صناعة القانون، بينما تفرض المرحلة الجديدة التعامل مع نص اصبح نافذا.
ولا يعني ذلك نهاية الصراع، بل تغير طبيعته. فالمواجهة يمكن ان تنتقل من محاولة منع صدور النص الى تفسير مقتضياته وتقييم اثاره والطعن في ما يسمح القانون بالطعن فيه، والمطالبة مستقبلا بتعديله او مراجعته.
وبذلك يصبح الانتقال المطلوب هو الانتقال من سياسة المنع الى سياسة التأثير، ومن الاحتجاج المستمر الى الترافع المؤسساتي والقانوني.
الحاجة الى تقييم تجربة الاحتجاج
تطرح المرحلة الجديدة ضرورة اجراء تقييم مؤسساتي شامل للتجربة السابقة، ليس بهدف توزيع المسؤوليات او تصفية الحسابات، وانما لاستخلاص الدروس.
ومن بين الاسئلة التي تفرض نفسها: ما القرارات التي حققت نتائج ايجابية؟ وما القرارات التي كانت مكلفة دون مردود واضح؟ وكيف انعكس توقف العمل على المتقاضين؟ وكيف تعامل المجتمع مع الاحتجاج؟ وما اثر الخطاب الاعلامي على صورة المهنة؟ وكيف اشتغلت القيادة المهنية؟ وهل كانت هناك فجوة بين القيادة وقواعد المهنة؟
فالمؤسسات المهنية القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تستطيع تحويل تجاربها واخطائها الى معرفة تساعدها على تحسين قراراتها المستقبلية.
من الاحتجاج الى التأثير
بعد صدور القانون، لم يعد استمرار الادوات الاحتجاجية بنفس الشكل كافيا لتحقيق الاهداف المهنية. فالمرحلة الجديدة تحتاج الى ادوات اكثر تنوعا، من بينها الترافع القانوني، وانتاج الدراسات، والتكوين، والتواصل مع المجتمع، وبناء التحالفات، واقتراح التعديلات، واستثمار الاليات المؤسساتية المتاحة.
وهنا تبرز الحاجة الى تحويل الراسمال الاحتجاجي الذي راكمته المحاماة الى راسمال معرفي ومؤسساتي ومجتمعي.
فالقوة المهنية لا تقاس فقط بعدد المشاركين في الاحتجاج، بل ايضا بقدرة المهنة على انتاج المعرفة والتأثير في النقاش العمومي وبناء الحجج والتفاوض مع مختلف المؤسسات.
اعادة تموقع العلاقة مع الدولة
تفرض التجربة كذلك اعادة النظر في طريقة التعامل مع مؤسسات الدولة. فالدولة ليست فاعلا واحدا متجانسا، بل تتكون من مؤسسات متعددة تختلف اختصاصاتها ووظائفها ومواقعها.
ومن ثم فان تحويل الخلاف الى مواجهة شاملة مع الدولة قد يؤدي الى اغلاق قنوات التفاوض مع مؤسسات وفاعلين يمكن التعامل معهم بشكل مختلف.
والتمييز بين الحكومة والبرلمان والقضاء والمحكمة الدستورية والادارة يتيح للمهنة بناء استراتيجية اكثر واقعية، تقوم على التفاوض والترافع والتأثير بدل وضع مختلف المؤسسات في موقع الخصم الواحد.
قيادة مهنية بين الديمقراطية والفعالية
تطرح المرحلة الجديدة ايضا سؤال القيادة المهنية. فالقيادة لا ينبغي ان تقتصر على نقل المزاج الجماعي، بل يفترض ان تكون قادرة على تحويل الارادة الجماعية الى استراتيجية قابلة للتنفيذ.
وهذا يتطلب منح القيادة هامشا من المرونة في التفاوض وقراءة التحولات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المساءلة الديمقراطية.
فالمرونة في التفاوض لا تعني التراجع عن المبادئ، كما ان اعادة التموضع لا تعني الهزيمة. وقد يكون التراجع التكتيكي في بعض المراحل ضروريا للحفاظ على القدرة على تحقيق اهداف بعيدة المدى.
نحو محاماة اكثر مؤسساتية
المستقبل لا يحتاج الى محاماة منكسرة، لكنه لا يحتاج ايضا الى محاماة محاصرة داخل منطق الصدام الدائم.
المطلوب هو محاماة مستقلة ومؤسساتية، قوية ومرنة، نقدية وقانونية، قادرة على الاحتجاج والتفاوض في الوقت نفسه، وموحدة مع السماح بالاختلاف، ومهنية ذات امتداد مجتمعي.
فالاستقلال لا يعني الانفصال عن الدولة او رفض المؤسسات، بل يعني ممارسة الوظيفة المهنية باستقلالية ودون تبعية، مع احترام القانون ومبادئ دولة المؤسسات.
وبذلك يصبح استقلال المحاماة مشروعا مؤسساتيا يتطلب بنية تنظيمية قوية، ومعرفة مهنية متقدمة، واليات ديمقراطية داخلية، وتواصلا فعالا مع المجتمع، وقدرة مستمرة على التفاوض والتأثير.
السؤال لم يعد من انتصر ومن انهزم
مع دخول القانون رقم 66.23 حيز التنفيذ، يبدو ان السؤال الاساسي لم يعد هو: هل انهزم المحامون ام انتصروا؟
السؤال الاهم هو: ماذا تعلمت المحاماة من هذه التجربة؟ وكيف يمكن تحويل القوة الاحتجاجية التي اظهرتها الى قوة اقتراحية ومؤسساتية ومجتمعية؟
فالمعركة السابقة اثبتت قدرة المحامين على التعبئة والتضامن، لكن المرحلة المقبلة ستختبر قدرتهم على ادارة الاختلاف، وقراءة موازين القوة، وبناء التحالفات، والتأثير في تطبيق القانون وتقييمه واقتراح تعديله.
لقد صدر القانون، لكن الصراع حول مستقبل المهنة لم ينته. وما يتغير اليوم ليس وجود الصراع، بل ادواته ومجاله. ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة فرصة امام المحاماة للانتقال من قوة الاحتجاج الى قوة التأثير، ومن رد الفعل الى صناعة المبادرة، ومن مواجهة الازمات الى امتلاك استراتيجية واضحة لادارتها والخروج منها







