هشام العمراني :ثلاثية “الدهاء” في المشهد السياسي المغربي
في تدوينة نشرها الصحفي هشام العمراني عبر صفحته الشخصية على موقع “فيسبوك”، تطرق إلى خلفيات ما أسماه “الدهاء السياسي” في إدارة الملفات الكبرى بالمغرب.
تجسد هذه الفكرة واحدة من اكثر المفاهيم عمقا في إدارة الحكم؛ حيث تقاس كفاءة السلطة السياسية أحيانا ليس بمدى قدرتها على طرح المشاريع، بل بقدرتها على تمرير القرارات الصعبة ومصاعبة التغيير عبر الفاعلين الأكثر رفضا لها.
هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة، بل تعرف في الأدبيات السياسية والإعلامية بشرعية «المُنقذ غير المتوقع» أو مفارقة القدرة على التغيير (ما يشبه سياسيا ما يعرف بـ Nixon goes to China)، حيث يمتلك الخصم العقائدي للمشروع رصيدا رمزيا يسمح له بتمرير ما لا يستطيع الطرف المقابل تمريره دون إثارة موجات غضب عارمة.
ثلاثية “الدهاء” في المشهد السياسي المغربي
تتجلى هذه المفارقة في ثلاث محطات مفصلية شهدتها الساحة السياسية الوطنية:
1. ملف التطبيع وإدارة الاختلاف العقائدي
توقيع اتفاقية استئناف العلاقات (الاتفاق الثلاثي) جاء في فترة ترأست فيها قوى محسوبة على التيار الإسلامي الحكومة. هذا التقاطع المفارقي قلل من حدة الاستقطاب الشارعي؛ إذ إن صدور القرار في ظل وجود هيكل حكومي محافظ جعل الاعتراض الأيديولوجي أكثر تعقيدا وأقل قدرة على التعبئة الحزبية الشعبية مقارنة بما كان سيفعله لو صدر عن حكومة ذات توجهات معلنة سلفا.
2. إصلاح التشريعات وقوانين المهن: حالة قانون المحاماة
في ملف إصلاح مهنة المحاماة وقوانين المسطرة المدنية والجنائية، قاد التعديل والمواجهة مع أصحاب البذلة السوداء مسؤول تنفيذي ينتمي في الأصل إلى الجسد المهني نفسه وكان يمارس المحاماة. وجود فاعل من داخل الدائرة المهنية مكن السلطة التنفيذية من الصمود أمام الاحتجاجات والتوقفات عن العمل، متسلحة بمعرفة خبايا القواعد وتفاصيل المهنة.
3. الدعم الاجتماعي المباشر: إعادة توزيع الأدوار
تفكيك صندوق المقاصة والتحول نحو الدعم الاجتماعي المباشر يعد خطوة ذات طابع اجتماعي بامتياز. المفارقة أن هذا المشروع الهيكلي تحول إلى واقع تنفيذي في عهد حكومة يقودها حزب ليبرالي ورجال أعمال وطنيون. هذا الجمع بين المرجعية المقاولاتية والبرامج الاجتماعية المباشرة أزال الوصمة التقليدية عن الأحزاب الليبرالية باعتبارها تخدم رأس المال فقط، ومنح البرنامج غطاء عمليا لتنفيذه.
آليات الهندسة السياسية: كيف يكتمل “الدهاء”؟
تعتمد هذه السياسة على مجموعة من العوامل الحاكمة:
-
امتصاص الصدمات: عندما ينفذ القرار الطرف المحسوب على المعارضة الفكرية له، يتلقى الصدمة الأولى ويحيد قدرة القواعد الاجتماعية على الرفض.
-
إغلاق منافذ المزايدة: لا تستطيع القوى المعارضة أن تزايد أيديولوجيا على قرار اتخذه أو وقعه من ينتمي إلى بيئتها الفكرية أو المهنية.
-
إنجاز الإصلاحات المؤجلة: الأزمات الكبرى والتغييرات البنيوية تتطلب تجريد الفرقاء من أسلحتهم الخطابية، وهو ما يتحقق عندما تسند المهمة لمن كان يفترض أن يقود الرفض.
![]()







