الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

أزمة الصحة النفسية في المغرب: بنية الحقل العلاجي وتنازع الشرعيات

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع| الصحة النفسية في المغرب مجالا سوسيولوجيا بالغ التعقيد، لأنها لا تختزل في بعدها الطبي أو البيولوجي، بل تتشكل داخل تفاعل بنيوي بين البنية الصحية، والتمثلات الثقافية، واقتصاد الرعاية، وأنماط توزيع الشرعية العلاجية. ومن ثم فإن المرض النفسي لا يظهر كحالة فردية معزولة، بل كبناء اجتماعي ومؤسساتي يعكس طريقة تنظيم الدولة للرفاه، وحدود العدالة الصحية، ومستوى إدماج الصحة النفسية ضمن السياسات العمومية.

على المستوى الوبائي، تشير المعطيات المتداولة في تقارير وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية ودراسات ميدانية وطنية إلى أن نسبة مهمة من المغاربة قد يواجهون اضطرابات نفسية خلال حياتهم، حيث تقدّر نسب القلق والاكتئاب في حدود تتراوح بين 20% و30% في بعض الفئات، مع تسجيل حضور معتبر للاضطرابات الذهانية بدرجات متفاوتة. هذه المؤشرات لا تعكس فقط انتشارا مرضيا، بل تكشف عن اتساع العبء الاجتماعي غير المرئي للاضطرابات النفسية، المرتبط بتغير أنماط العيش، وضغوط الحياة الحضرية، وتآكل شبكات الدعم التقليدية.

غير أن هذا الطلب المتزايد على الرعاية النفسية يصطدم ببنية عرض محدودة وضعيفة التكافؤ. فالمغرب يتوفر على ما يقارب 300 إلى 350 طبيباً نفسياً موزعين بين القطاعين العام والخاص والعسكري، أي أقل من 1 طبيب نفسي لكل 100 ألف نسمة تقريبا، وهو معدل أدنى بكثير من المعايير الدولية الموصى بها.

كما يُقدَّر عدد الأخصائيين النفسيين السريريين بما بين 60 و100 مختص فقط، في مقابل خصاص واضح في التغطية الجهوية. أما الطاقة الاستشفائية فتبلغ حوالي 1800 إلى 2000 سرير نفسي، تتمركز بشكل أساسي في المدن الكبرى، مما يعمّق الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج.

هذا الاختلال البنيوي لا يختزل في الموارد البشرية والبنية التحتية، بل يمتد إلى طريقة تنظيم الحقل العلاجي نفسه. فوفق منظور بيير بورديو، يمكن فهم الصحة النفسية كمجال صراع على الرأسمال الرمزي الطبي، حيث تتنافس ثلاث منظومات للشرعية: الطب النفسي المؤسسي، والممارسة النفسية شبه المهنية، والتأويلات الدينية والشعبية للاضطراب. هذا التعدد لا يشتغل كتراكم معرفي منسجم، بل كحقل تنافسي يُنتج الغموض ويضعف سلطة المرجعية الطبية الموحدة.

في هذا السياق، تتحول الأسرة إلى فاعل مركزي في تدبير القرار العلاجي، فهي تجد نفسها أمام مسارات علاجية غير واضحة، وغياب بروتوكولات اجتماعية مُبسطة، وتداخل في التفسيرات (عضوية، نفسية، روحية، أخلاقية)، ما يجعل القرار العلاجي محكوماً بثلاثة محددات رئيسية: القدرة الاقتصادية، ضغط الوصم الاجتماعي، وتوفر الوساطة والمعرفة غير الرسمية. ووفق إرفينغ غوفمان، فإن الوصم لا يطال الفرد فقط، بل يمتد إلى الأسرة التي تتحول إلى حاملة لهوية اجتماعية مُثقلة، ما يدفعها إلى الإخفاء أو التأجيل أو اختيار مسارات علاج أقل انكشافا اجتماعيا.

بالتوازي مع ذلك، يشهد المجال الصحي النفسي توسعا في أنماط غير منظمة من تسليع الخبرة النفسية، حيث تنتشر الاستشارات غير المؤطرة والدورات المؤدى عنها والمحتوى الرقمي الذي يقدم نفسه كعلاج نفسي دون تأهيل علمي مضبوط. ويمكن قراءة هذا التحول ضمن نقد إيف سيتون (Yves Citton) للرأسمالية المعرفية، حيث تتحول المعرفة إلى سلعة رمزية تخضع لمنطق السوق والانتشار، مما يخلق ضبابية في حدود الشرعية المهنية ويزيد من ارتباك الأسر في اختيار مسار العلاج.

على مستوى السياسات العمومية، بدأت الدولة المغربية خلال السنوات الأخيرة في تفعيل توجه نحو إصلاح قطاع الصحة النفسية ضمن الاستراتيجية الوطنية للصحة 2021-2030، التي تهدف إلى توسيع العرض الاستشفائي، إدماج خدمات الصحة النفسية في المستشفيات الجهوية والإقليمية، تعزيز التكوين الجامعي في الطب النفسي، ورفع عدد الأطر المتخصصة. كما يتم العمل على تطوير وحدات للتكفل بالأزمات النفسية، وتحسين الولوج إلى الأدوية النفسية الأساسية، مع محاولة تقليص الفوارق المجالية في التغطية الصحية. غير أن هذه الإصلاحات ما تزال في طور التدرج، ولم ترق بعد إلى مستوى معالجة الخصاص البنيوي أو تحقيق العدالة العلاجية.

في المقابل، لا يظهر المرض النفسي في المجال العمومي إلا في لحظات الانفجار الاجتماعي، مثل حوادث العنف أو الجرائم أو السلوكيات الصادمة، حيث يتم إنتاج خطاب استنكاري ظرفي سرعان ما يتلاشى مع عودة الحياة اليومية إلى إيقاعها العادي. هذا النمط يعكس ضعف إدماج الصحة النفسية في الوعي الاجتماعي، ويكرس منطق التعامل مع الاضطراب كحدث استثنائي بدل كونه مسارا ممتدا يحتاج إلى متابعة مؤسساتية مستمرة.

إن أزمة الصحة العقلية في المغرب ليست أزمة طبية تقنية فقط، بل هي أزمة في “تنظيم المجال الاجتماعي للمرض النفسي”. فهي تعكس تداخل ثلاث مستويات مترابطة: هشاشة البنية الصحية وندرة الموارد، صراع الشرعيات داخل الحقل العلاجي، وثقل الوصم الاجتماعي في تشكيل قرارات العلاج. ومن ثم فإن أي مقاربة إصلاحية لا يمكن أن تقتصر على توسيع عدد الأطباء أو البنيات، بل ينبغي أن تعيد بناء الحقل النفسي كمنظومة متكاملة، عبر تقوية العرض العمومي، تقنين الممارسة شبه المهنية، إدماج البعد المجتمعي في الرعاية، وتفكيك آليات الوصم باعتبارها جزءاً من إنتاج المعاناة وليس مجرد انعكاس لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.