الصحافة بمهنية ورؤية إبداعية

سوسيولوجيا حراس الأمن الخاص بالمغرب.. الهشاشة المهنية والاعتبار الاجتماعي: الجزء الثاني

الرباط| الانعكاسات النفسية والاجتماعية: قلق مستمر، إجهاد، اضطراب في الحياة الأسرية والرؤية المستقبلية

مراجعات ودراسات طبية واجتماعية تربط بين العمل الهش والضغوط النفسية (قلق، اكتئاب، ضعف جودة الحياة)، وتؤكد أن ساعات العمل الطويلة، غياب التحكم في شروط العمل، وانعدام الضمانات تؤدي إلى مخاطر صحية ونفسية واضحة. مؤسسات مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية تصدر توصيات حول الصحة العقلية في العمل واعتبارها حقا وظيفيا.

العاملون في الأمن يواجَهون بمزيج من ضغوط وظيفية فريدة: احتمالية المواجهة الميدانية (اعتداءات، طوارئ)، العزلة (نوبات ليلية تحد من التماس الاجتماعي)، وانعدام الأمن الوظيفي. كل ذلك يضاعف مخاطر الصحة النفسية أكثر من وظائف مكتبية مستقرة. دراسات تربط بين العمل الهش وارتفاع معدلات الأعراض النفسية والاضطرابات في النوم والعلاقات الأسرية.

●النظرة المجتمعية والوصم المهني — قراءة سوسيولوجية (غوفمان، بورديو)

إرفينغ غوفمان يقدم مفهوم الوصم الذي ينطبق على وظائف توصف بأنها «خدماتية/هامشية» رغم أهميتها؛ بورديو يذكر كيف تترسخ الفوارق عبر رأس المال الرمزي والاجتماعي بحيث تصنف بعض المهن كـ “أدنى” رمزيا. يضيف بعد الطبقة الجديدة التي تعيش انعدام الأمان.

حارس الأمن يعد “واجهة” للسلطة ضمن المؤسسة (ينفذ قواعد الدخول/المنع)، لكن المجتمع غالبا ما يمنحه اعتباره الوظيفي الأدنى: هذا تناقض يفسر الإخفاق في منحه حقوقا وكينونته المهنية كاملة. الوصم (تقليل القيمة) يؤدي إلى عدم المطالبة والقبول “بلطف” بشروط شغل أدنى.

العنصر الرمزي مهم: زيّ الحارس يرمز للأمن لكنه لا يرقى إلى رمز المكانة الاجتماعية؛ هذا الفرق بين رمزية الوظيفة والقيمة المادية والاجتماعية للعامل يولد احتقانا معرفيا واجتماعيا.

إرهاب/أمن عام وتأثيره على التوقيف عن العمل والاشتباه الأمني

قانون الأمن الخاص يجيز تعليقا للإذن في حالات تتعلق بالنظام العام أو ملاحقات جنائية؛ تعليق إذن الشركة قد يؤدي فورا لوقف عقود العاملين، فيما يظل الحق في التعويض معرضا للتعقيدات القضائية والإدارية. تقارير إعلامية وتحليل قانوني أشارا إلى هذا التعارض بين حماية الأمن وعواقبها الاجتماعية على العمال.

استعمال أدوات الأمن الإداري كوسائل لتعليق نشاط شركات الحراسة قد يكون مبررا من منطق الوقاية، لكنه يترك عاملا بلا حماية فورية. غياب آليات تعليق مؤقّت تُؤمّن دخلاً بديلاً أو وضع مؤقت للعامل يجعل تطبيق القانون وسيلة ليد الحكم أو التعرض للعمال.الحاجة هنا لتوازن قانوني: آليات تعليق/سحب الترخيص يجب أن ترافقها حماية مؤقّتة للحقوق العمالية (تعويضات مؤقتة، تحويل مبالغ الضمان الاجتماعي إلى حساب احتياطي…) حتى يُبتّ في المسائل الأمنية أو الجنائية.

دور الحكومة، النقابات، والمنظمات الحقوقية — صمت أم تواطؤ أم قصور مؤسساتي؟

هناك تحركات نقابية ومناشدات إعلامية متواترة للدفاع عن هذه الفئة، وفي الوقت نفسه توجد مراجعات رسمية وسعي لإصلاحات قضايا الحد الأدنى للأجور، قانون حق الإضراب، اتفاقات قطاعية)، لكن تطبيق القانون والنقاش العمومي يبقيان غير كافيين لحماية العمّال الأضعف

ثلاثية قصور فعالية: أولها ضعف قدرة الدولة على مراقبة الامتثال في كل المواقع، ثانيها تفكك العمال عبر عقود متعددة يقلل ضغط النقابات، وثالثها تركز الإعلام أحيانا على حوادث فردية أكثر من تراكمات المنهج. هذه الثلاثية تفسّر لماذا تبقى المشكلات منظومة غير محلولة رغم وجود نصوص وإعلانات إصلاحية.

توصيات استراتيجية (قابلة للتطبيق بسرعة نسبية) — لخفض الهشاشة وتحسين الكرامة المهنية

تشكل فئة حراس الأمن الخاص في المغرب نموذجا كثيف الدلالة على ما يسميه غاي ستاندنغ “الطبقة الهشة، عمال يؤدون خدمات حيوية للمؤسسات العامة والخاصة، لكنهم يعانون من هشاشة في شروط الشغل وغياب الحماية الاجتماعية والتقدير الرمزي. ويكشف هذا الواقع عن فجوة بنيوية بين النصوص القانونية والممارسات الفعلية، وعن ضعف آليات إنفاذ القانون وغياب رؤية استراتيجية لإدماج هذه الفئة في منظومة العمل اللائق كما توصي بذلك منظمة العمل الدولية.

إنفاذ قانون العمل

تظهر التقارير الدولية والوطنية أنّ تطبيق القوانين وحده لا يكفي إذا لم تدعّم مفتشيات الشغل بصلاحيات فعلية وموارد بشرية وتقنية تمكّنها من مراقبة قطاع الحراسة، ومحاسبة الشركات على عدم دفع الأجور أو تجاوز ساعات العمل. من منظور سوسيولوجي، يمثل هذا غيابا لـلدولة الاجتماعية، القادرة على ضبط العلاقة بين رأس المال والعمل في القطاع الأمني الخاص.

مسؤولية مشتركة في العقود

التعاقد عبر شركات وسيطة يحول المخاطر إلى العمّال ويضعف حمايتهم. إدخال مبدأ المسؤولية المشتركة في الصفقات العمومية والقطاع الخاص كما أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE, 2023) يرد الاعتبار لمفهوم “الحق في الحماية” ويحد من تفريغ الحقوق عبر المناولة، وهو ما يؤكده علم اجتماع العمل على أنه شرط أساسي لاستدامة الحقوق العمالية.

حماية مؤقتة عند تعليق الرخصة

يبرز قانون 27-06 المنظم للأمن الخاص إمكان تعليق أو سحب رخص الشركات لأسباب أمنية، لكن دون آلية لحماية العمّال المتضررين. إنشاء صندوق احتياطي للتعويض المؤقت — كما تقترحه بعض المبادرات المدنية المنشورة على منصات حقوقية سيعيد التوازن بين متطلبات الأمن العام وحقوق الأجراء، ويعكس الانتقال من الضبط الإداري إلى العدالة الاجتماعية.

اعتراف مهني وتكوين معتمد

الحارس الخاص ليس مجرد “بواب”، بل عنصر في منظومة الأمن المدني. تطوير نظام تدريبي يمنح شهادات وطنية معترفًا بها في الإسعافات الأولية، إدارة الأزمات، والتواصل مع الجمهور-كما تقترحه جمعيات مهنية -سيعزز رأس ماله الرمزي والاجتماعي وفق مقاربة بورديو، ويقلص الوصم المهني.

الصحة النفسية والدعم الميداني

تؤكد منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية أن الصحة العقلية في مكان العمل حق وظيفي. ما يستوجب تطبيق برامج دعم نفسي وخطوط مساعدة للعاملين المتعرضين للضغط أو الصدمات هو خطوة أساسية لفك “الدوامة المزدوجة” للهشاشة الاقتصادية والنفسية التي توثقها دراسات علم الاجتماع المهني.

حملات توعية وإعادة تأطير اجتماعي

الوصم الذي يحيط بمهنة الحراسة يعكس، بلغة غوفمان، “هوية مهددة” رغم الدور الحيوي الذي تؤديه. حملات توعية وإنتاج محتوى عمومي يبرز هذا الدور — مثل المبادرات الثقافية والتوعوية— يمكن أن يسهم في إعادة تأطير الصورة الاجتماعية وتشجيع المطالبة الحقوقية، فيتحوّل الحارس من عامل هامشي إلى فاعل أمني مدني، يحظى بالاحترام والحقوق.

إن إصلاح قطاع الأمن الخاص لا يتوقف على رفع الأجور أو تقليص الساعات فقط، بل يتطلب مقاربة متكاملة تشمل الإنفاذ القانوني، المسؤولية المشتركة في التعاقد، حماية مؤقتة عند الأزمات، اعترافا مهنيا رسميا، برامج صحة نفسية، وحملات توعية. هذه الإجراءات مترابطة سوسيولوجيا: كل واحدة منها تعالج بعدا من أبعاد الهشاشة البنيوية، وتعيد دمج هذه الفئة في فضاء العمل اللائق والكرامة المهنية.

ظاهرة هشاشة حراس الأمن ليست قضية فردية أو تقنية فحسب؛ إنها انعكاس لتحوّل أعم في أسواق الشغل نحو تفويض المخاطر والحدّ من الضمانات الاجتماعية، وتداخلات قانونية وأمنية تجعل من هذه الفئة “حارسة بلا حماية”. ولعل حل المشكلات يتطلب إجراءات متعددة الواجهات: قانونية، مؤسساتية، صحية ونفسية، واجتماعية. التشخيص نظريا واضح الوصف، والاختبار العملي يتطلب إرادة سياسية وتنظيما نقابيا فعالا ورقابة مدنية مستقلة.

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.